قائمة الموقع

البطش.. أودع أهله للحرب وكسب رهانها

2015-07-06T08:46:22+03:00
الزميل محمد أبو زايدة في حواره مع اللواء تيسير البطش، مدير عام الشرطة
الرسالة نت- محمد أبو زايدة

لم تكن عيناه الخضراوان تعكسان حدة ما يرتديه من بزّة عسكرية، موضوع على كتفها شعار النسر، بل تنمّان عن شخصية "مرهفة" مخبّأة خلف جدار هذا الثوب، ودموعه التي انهمرت بادئ حديثه مع "الرسالة نت" كسرت قاعدة "الرجال لا يبكون"، فبكى اللواء تيسير البطش مدير عام الشرطة الفلسطينية في غزة، وهو يستحضر من فقدهم من قيادات القسام إضافة إلى ما يقرب العشرين من أفراد عائلته في العدوان الأخير على غزة.

خمسون عامًا قضاها البطش متنقلًا بين سلك التعليم، مرورًا بزنازين الاحتلال وتغيير قناعاته من خلال احتكاكه مع قيادات "حماس"، وذهابًا إلى عذابات السلطة وتحقيقاتها "اللا إنسانية"، وصولًا للشرطة الفلسطينية، وتوليه إدارتها في غزة، وما بين كل فصلٍ من هذه الفصول حكاية يرويها لنا، مبدوءة بنشأته.

في ذلك البيت الصغير في حي التفاح بمدينة غزة، رب أسرةٍ يُلزم أبناءه بطاعة الله، والمواظبة على الصلاة، وما إن وُلد تيسير عام 1966، حتى تعهد والده بأن يخرّجه فتى إسلاميًا، فأضحى الطفل من أبناء المساجد، وحين اشتد عوده قليلًا وجد ضالته في حركة فتح التي كانت آنذاك تتخذ من المقاومة نهجًا لتحرير فلسطين، فانتسب لها.

تغيير الفكر

"عام 1988 اعتقلت في سجون الاحتلال على خلفية نشاطي في حركة فتح" يقول البطش، وكان عمره آنذاك 22 عامًا، إلّا أنّ دخوله سجن "السرايا" المركزي التابع للاحتلال، كان له أثرًا كبيرًا في تغيير فكره.

كلٌ مع تنظيمه في سجنٍ منفرد، وتفتح البوابات ساعتين يوميًا لتبادل الزيارات بين الأفراد، وثلاث ساعاتٍ يومية فسحة داخل سياج السجن تسمى "فورة"، وذلك كله كان العامل الأساسي في لقاءات البطش مع قيادات حركة حماس، الذين بدورهم رأوا فيه الشاب الملتزم.

وكان لقاؤه بادئ الأمر مع الدكتور عبد العزيز الرنتيسي -أحد مؤسسي حماس-، والشيخ محمد حسن شمعة -أحد قيادات الاخوان المسلمين، والدكتور صلاح شحادة، -قائد كتائب القسام آنذاك-، فدارت الحوارات فيما بينهم، فقرر البطش الانضمام إلى "حماس"، بعدما اختلط بقادتها عن قرب.

وللبطش حكاية سجن لا تُنسى مع الدكتور صلاح شحادة، رواها ودموعه على وجنتيه اشتياقًا لصديق السجن، حيث كان الأخير يطلب من أهله الكتب العلمية والثقافية والدينية، ويُعيرها للبطش الذي كان يقبع في سجنٍ محسوبٍ على عناصر معتقلين من فتح، ويضمّها في مكتبته، ليشارك أفراد التنظيم المعلومات، وينشرها بينهم.

عامان في سجن غزة المركزي، وعامٌ ونصف في النقب، هي مجمل محكومية البطش في سجون الاحتلال، دخلها "فتحاوياً"، لـ"عدم وجود تنظيم إسلامي ظاهر على الساحة في حينه، ولم يكن أمامنا سواها"، وفق قوله، وخرج منها عام 1992 منتميًا لحماس "قلبًا وقالبًا".

وعند وصوله لبيته، عكس الفكر على منطقته، حتى تشرّبت معظم عائلته ذات النهج، وأضحت منطقتهم "محسوبة على حماس"، وتزوّج بعد ستة أشهرٍ من خروجه السجن، وأكمل تعليمه الجامعي، ثم عمل في "الطوبار، وسائق سيارة، ومن ثم مدرسًا لمادة التاريخ.

عذابات السلطة

 وفي عام 1995 دهم جهاز المخابرات العامة التابع للسلطة الفلسطينية، منزله، واقتاده إلى التحقيق بتهمة "التدريب على السلاح، والانتماء لكتائب القسام"، وبقي أسبوعين قابع في التحقيق إلّا أنّه أنكر جميع التهم الموجه له، فتم الافراج عنه، وبعد أشهرٍ أعيد اعتقاله مرة أخرى بذات التهمة، ومكث ما يقرب الشهر تحت التعذيب الذي يسمونه "التحقيق".

وتوالت الاعتقالات، حتى جرى اعتقاله عام 1996 على يد القوة البحرية التابعة للسلطة، وتُعتبر من أقسى العذابات التي مرّ بها البطش، حيث جرى التحقيق معه "بأسلوب وحشي، وتعذيب جسدي، وشبح"، والتهمة الملفقة له، " إيواء محمد الضيف -القائد العام لكتائب القسام-".

يضيف البطش: "في مكانٍ مهجور، يحلقون لنا شعرنا، ويجردونا من ثيابنا، ويعلقون أيدينا من خلف الظهر، ويستمرون بضربنا بالعصي على ظهورنا".

وجرى تحويله بعد جولاتِ التعذيب في جهاز بحرية السلطة، إلى الأمن الوقائي، ووصلهم "جلده أسود داكن من التعذيب"، واستقبلوه في قسم التحقيق الجديد، حيث وضعوه في غرفةٍ وشغّلوا الموسيقى الصاخبة على مدار الـ(24 ساعة)، قائلاً  "عندما تغفو عيناي يسكبوا الماء البارد على ظهري"، واستمر البطش على ذات الحال لمدة (30 يومًا)، وتم تلفيق تهمةٍ جديدة، وهي قيادة مجموعة من العمل السري، تابعة لكتائب القسام.

وبعد ستة أشهرٍ قضاها البطش في زنازين الأمن الوقائي، خرج منها وآثار العذاب على جسده، وبعد فترة بسيطة، أعيد اعتقاله مرة أخرى، ومكث في التحقيق لمدة شهرٍ متواصل، وتم الافراج عنه لعدم ثبوت أي دليلٍ ضده.

لكنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فأعيد اعتقاله عام 1997 بتهمة الانتماء لكتائب القسام، فمكث أسبوعين في جهاز المخابرات التابع للسلطة، "ولم يثبت عليه ذلك"، حتى أفرج عنه.

مهام حكومية

ومع فوز "حماس" في الانتخابات، انتقل البطش من سلك التعليم، إلى وزارة الداخلية، وعمل في مكتب وزير الداخلية آنذاك الشيخ سعيد صيام. ثم تم تعيينه نائبًا لمدير جهاز الأمن الداخلي عام (2007).

وتوالت المهمات، حتى وصل إلى إدارة مكافحة التجسس، والموكلة لها مهمة متابعة العملاء والمشبوهين، ورصد تحركاتهم، ولهذا التاريخ حكاية.

" وصلنا أمر بإخلاء المقرات بعد سلسلة تصعيد مع الجانب الإسرائيلي"، هذا الأمر الذي علمه البطش ولكنّه قرر في لحظةٍ أن ينهي بعض الاجراءات الضرورية داخل مكتبه، فعاد لينهيها متوقعًا وقتًا قصيرًا لا يتجاوز نصف ساعة لإنهائها.

إلّا أن طائرات الاحتلال أغارت في سماء غزة، وألقت بحممها في كلِ مقراتِ الحكومة التابعة لحماس، وعن بُعد سمع صوت الانفجارات، فترك البطش ما بيده وخرج بأقصى سرعته.

توالت خطواته على الدرج مسرعًا، ولم يكن في المبنى سواه واثنين آخرين، فما إن ابتعدوا بضعة أمتار، حتى توالت الصواريخ على المبنى، وأضحى رُكامًا، وكُتب لضيفنا عمرًا جديدًا.

وعام (2010)، تم اختيار البطش ليكون نائب مدير الشرطة الفلسطينية، ثمّ عيّن بعدها مديرًا للشرطة، وبعد بعام جرى عدوان عام 2012.

وتحدث باكياً "فتحت عيناي على سرير المستشفى، وسألتهم عن أقربائي الذين كانوا بجواري، وعن حصيلة القصف، في بادئ الأمر رفضوا أن يخبروني، وكانوا يبلغوني كل يومٍ باستشهاد أحدهم".

خُطط الطوارئ لأي حربِ كانت دومًا جاهزة في جهاز الشرطة، وقسمت لقسمين، (أ) وهي تعني خطة في حال شن الاحتلال حربًا على غزة، و(ب) وهي خطة التصعيد الجزئي من الاحتلال على القطاع. والعمل وفقها.

وانتقالًا من (حجارة السجيل)، إلى الحرب الأخيرة على غزة (العصف المأكول)، حيث ترك البطش عائلته المكونة من 9 أبناء، (6 ذكور، و3 اناث)، متوجهًا إلى زيارة خالته- في رمضان، و"جرت الزيارة في حركة مضبوطة جدًا".

عاش.. ورحلوا

وجاء موعد الإفطار، فقدم بيت خالته أجود الطعام، وأفطر الجميع، حتى أذّن المؤذن "حي على الصلاة"، فأقاموا العشاء، وبدأوا بصلاة تراويح الثالث عشر من رمضان.

صوته بدأ يتغيّر، وحاول يغلق عينيه قليلًا ليداري دمعاته، ثم قال "زوجة ابن خالي فرشت لنا سجادة الصلاة، وحملت مصحفها وتوجهت إلى غرفتها، وصلينا أولى الركعات، ثم في احداهن سجدنا، وبقينا ساجدين".

لم يدرِ بشيء سوى آخر حدثٍ له المتمثل بالسجود، وصوت انفجارٍ ما زال يتردد في أذنه حتى الآن، فانهمرت الحجارة فوق رأسه، وحاول الزحف قدر المستطاع، إلّا أنّه فقد قواه بسبب النزيف. فلم يفق إلا على سرير المستشفى.

لم يتمالك نفسه، وتحدث باكياً "فتحت عيناي على سرير المستشفى، وسألتهم عن أقربائي الذين كانوا بجواري، وعن حصيلة القصف، في بادئ الأمر رفضوا أن يخبروني، وكانوا يبلغوني كل يومٍ باستشهاد أحدهم".

فمن فرشت لهم سجادة الصلاة انتقلت للرفيق الأعلى، واثنين من الذين أدوا الصلاة ارتقوا شهداء، والبيت المجاور لهم، استشهد جميع ساكنيه، وحصيلة الاستهداف بلغت (17 شهيدًا)، واثنين سبقوهم بأيام أثناء التصدي للاحتلال في الخطوط الأولى من المواجهة، وأمّا ضيفنا فأصيب بالرقبة، والرأس، وتوزعت الشظايا في كامل جسده، ما زال عدد منها حتى الان، كما فقد (50%) من سمعه في أذنه اليسرى.

وانتزعت بهجة رمضان العام الماضي، إلّا أنّ البطش يرى بهذا العام "جنّي ثمار ما فقدناه في الحرب الماضية، وبداية تفكك الحصار والمؤامرة، وزيادة العبادة والطاعة".

اخبار ذات صلة