هل حقاً (إسرائيل) منزعجة من اتفاق الإطار الذي وقعته إيران مع الدول العظمى في "لوزان" بشأن مستقبل برنامجها النووي؟. وهل المسوغات التي يسوقها رئيس الوزراء الصهيوني لشيطنة الاتفاق يصدقها هو، أم أن وراء الأكمة ما وراءها.
في الحقيقة، بخلاف الانطباع الذي يحاول تكريسه نتنياهو، فإن معظم المعلقين الصهاينة يرون أن الاتفاق يصب في صالح الكيان الصهيوني، وأن انتقادات نتنياهو مبالغ فيها إلى حد كبير. فقد أعاد بعض هؤلاء المعلقين للأذهان حقيقة أن بنود الاتفاق نسفت تحديداً المرتكزات التي استند إليها نتنياهو في خطابه الأخير أمام الكونغرس، والذي حذر فيه من أن الاتفاق المتبلور يشكل تهديداً للعالم بأسره.
ويشير المعلقون الصهاينة إلى حقيقة أن الاتفاق قد حول حصيلة الجهود التي بذلتها إيران في تطوير برنامجها النووي إلى سدى، بعد أن التزمت طهران بالتخلص من عشرة أطنان من اليورانيوم المخصب، التي أمضت أكثر من عقد من الزمان في تخصيبها واستثمرت في سبيل ذلك موازنات ضخمة وخصصت إمكانية مادية وبشرية كبيرة.
ويلفت هؤلاء المعلقين الأنظار إلى حقيقة أنه عندما يتم تعميق النظر في تفاصيل الاتفاق، فإنه سرعان ما تظهر نقاط كثيرة تخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية وتوفر تطمينات على مصادر القلق الإسرائيلي.
فحسب المعلقين الصهاينة فإن جل ما حققته إيران تمثل في الحفاظ على الكرامة وماء الوجه من خلال السماح لها بالاحتفاظ بمنشآتها النووية دون أن تكون هذه المنشآت ذات جدوى حقيقية. فقد نجحت الدول العظمى في فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيران ستستمر لجيل كامل، حيث أن الاتفاق نص على أنه لن يكون بوسع إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة أكبر من 3.5%، وذلك لتقليص قدرة طهران على توظيف هذا اليورانيوم في انتاج السلاح النووي.
وحتى أودي سيغل، معلق الشؤون السياسية في قناة التلفزة الثانية، الذي يوصف بأنها من "صحافيي البلاط" بسبب قربه من ديوان نتنياهو، قد أقر بأن الاتفاق يضم بنوداً ايجابية جداً، وعلى رأسها موافقة إيران على نظام رقابة غير مسبوق في صرامته وتعمقه.
وقد فاجأ الاتفاق حتى وزير الحرب السابق إيهود براك الذي أقر بأن الاتفاق "أقل سوءاً" مما اعتقد في السابق، منوهاً إلى أن الدول العظمى بقيادة الولايات المتحدة قد استغلت حاجة إيران الماسة للتخلص من العقوبات الاقتصادية وتمكنت من ابتزازها لدرجة تقديم تنازلات لم يكن لأحد أن يحلم بها.
ويرى المراقبون في تل أبيب أن حرص نتنياهو وأركان حكومته على شيطنة اتفاق "لوزان" رغم من يتضمنه من انجازات لإسرائيل يهدف بشكل أساسي لممارسة أكبر ضغط على إدارة الرئيس أوباما لتبدي تشدداً في المفاوضات على التفاصيل في الاتفاق النهائي، الذي يفترض أن يتم التوصل إليها في نهاية حزيران القادم.
فهناك تنسيق مستمر بين ديوان نتنياهو وقادة الكونغرس حول آليات الضغط التي يتوجب ممارستها على أوباما لارغامه على فرض مزيد من القيود في الاتفاق النهائي. ويراهن نتنياهو على أنه من خلال الانكباب على البنود التفصيلية في الاتفاق النهائي فإنه يمكن تحقيق المزيد من المكاسب. وبالمناسبة، فإن الكثير من الآراء في إيران تتفق مع الرؤية الإسرائيلية.
إن ما يدلل على أن الفرحة التي اجتاحت إيران بعد الاعلان عن الاتفاق تنبع أساساً من آمال الإيرانيين في التخلص من العقوبات الاقتصادية الخانقة هو الانتقادات التي وجهتها القوى المحافظة في طهران للاتفاق.
فقد علق رئيس تحرير صحيفة "كيهان" المحافظة حسين شريعتمداري، على الاتفاق قائلاً: "قدّمنا حصاناً في أوج زينته، وعدنا من المفاوضات برسن ممزق"، في إشارة منه إلى أن المكاسب الإيرانية أقل بكثير من المكاسب الغربية.
أما الباحث في الشؤون السياسية الإيرانية مهدي محمدي، فقد اعتبر أن "الاتفاق حول منشأة فردو وقرار تحويلها لمنشأة بحوث، لا بقاءها كمنشأة للتخصيب "كارثة بكل ما للكلمة من معنى".
لكن مما لا شك فيه أن اتفاق "لوزان" سيعزز مكانة إيران الإقليمية بشكل جذري وسيسمح لها بهامش كبير للمناورة، بعد رفع العقوبات عنها.
فتحسن الأوضاع الاقتصادية سيقلص من كلفة تدخل إيران في شؤون المنطقة، وهذا بالمناسبة السبب الرئيس لانزعاج الدول الخليجية. والأهم ذلك كله، أن الاتفاق يفتح الطريق أمام المجال تعاون أمريكي إيراني في إدارة شؤون المنطقة. وهذا بالمناسبة، ما يشير إليه الإسرائيليون أنفسهم.
فمن الواضح أن أوباما يريد إضفاء شرعية على شراكة أمريكية إيرانية في مواجهة التحديات التي تهدد مصالح واشنطن. إن كلمة السر التي تفسر استماتة أوباما في التعاون مع إيران وعدم اهتمامه بالموقف الخليجي حقيقة أن اهتمام واشنطن بالنفط العربي قد تراجع بعد أن تم اكتشاف النفط الصخري.