تجاوز عمر رئيس السلطة محمود عباس قبل أيام ثمانين عاما، وقد مرَّ على تسلمه السلطة أحد عشر عاما بعد وفاة ياسر عرفات، واليوم تثار تساؤلات حول احتمالات غيابه القسري وخلافته والسيناريوهات المتوقعة لسلوك القوى الفاعلة الفلسطينية حال غيابه القسري، ما يفتح الباب حول الكثير من التكهنات.
ومن الاحتمالات الواردة لغياب عباس القسري الموت أو المرض الشديد الذي لا يتمكن معه من العمل أو الانسحاب المفاجئ من المشهد السياسي لا سيما أنه هدد بالـ(الحرد) مرارا كما يقول أحد المسؤولين في الفصائل الفلسطينية.
وتختلف ظروف غياب عباس وخلافته مع المعطيات المتعلقة بخلافة الرئيس الراحل ياسر عرفات، فعرفات الذي رحل عام 2004 كان عمره آنذاك 75 عاما تقريبا، بينما بلغ عباس نهاية مارس 80 عاماً، ولا تزال حالته الصحية مستقرة.
وبينما كان الحديث مكثفا حول ضرورة وجود خليفة لياسر عرفات، وتحدثت مصادر سياسية وإعلامية عديدة في حينه عن تصريحات لرئيس حكومة الاحتلال اريئيل شارون والرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن ضرورة التخلص من ياسر عرفات، والمسيرات التي خرجت في غزة من مؤيدي دحلان ضد عرفات، بل كان واضحا أن الاختيار وقع على عباس تحديداً خليفةً لعرفات، إلا أنه في حالة غياب أبو مازن ليس واضحاً من هو المرشح الأقوى لشغل هذا المنصب.
كما أنه في وقت البحث عن خليفة لعرفات كانت فتح هي صاحبة الحكومة والتشريعي ولم يكن ينازعها أحد في السلطة أما في حالة غياب عباس حاليا فإن حماس تشارك السلطة في الحكم لاسيما في قطاع غزة واقعًا ولها الغالبية في المجلس التشريعي قانونا.
ومن الواضح أن هناك أطرافًا فلسطينية واقليمية يهمها من الشخصية التي ستتولى القيادة بعد عباس، فعلى الصعيد الفلسطيني حركة فتح ستعمل على الاحتفاظ بالمنصب، وهناك حركة حماس التي يعطيها الدستور الفلسطيني الحق بأن يتولى منصب رئيس السلطة احد قادتها كونه يتولى رئاسة المجلس التشريعي الفلسطيني، وفي المشهد أيضاً فصائل فلسطينية متعددة أغلبها منضوية تحت جناح منظمة التحرير الفلسطينية، وأخرى مثل الجهاد الاسلامي خارج هذا الاطار.
وليس بعيدا عن هذا المشهد لم يخف محمد دحلان أطماعه ورغبته بإزاحة عباس والحلول مكانه فكيف لو غاب عن دفة القيادة.
وباستعراض السيناريوهات المتوقعة فإن الوضع القانوني لخليفة عباس فيما يتعلق برئاسة السلطة من المفترض أن يتولاها رئيس المجلس التشريعي مؤقتا وفق المادة (37) من القانون الأساسي الفلسطيني، ولكن تواجه هذا السيناريو الكثير من المعيقات الي تمنع تحققه، فالوضع الفلسطيني معقد ومتشابك فهناك الانقسام الحاصل بالإضافة إلى أن رئيس السلطة لديه مناصب أخرى يحتفظ بها منها رئاسته لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ومن غير المتوقع أن تسلم حركة فتح بهذا الأمر، ومع ذلك يبقى السؤال المطروح هل ستتمسك حماس بحقها الدستوري في رئاسة السلطة أم أن هناك حسابات ووجوه أخرى للقضية.
ويبدو السيناريو الثاني المتوقع أن تحتفظ حركة فتح برئاسة السلطة، ولكن الأمر غير المحسوم حتى اللحظة أياً من قيادات الحركة يمكن أن يتولى هذا المنصب، وهل سيكون عضواً في لجنتها المركزية، وهل سيكون من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة، كونه سيكون رئيسا للمنظمة، وتواجه هذا السيناريو أيضاً اشكاليات عديدة منها عدم قانونية هذا الإجراء وغالباً سيلاقي رفضاً من عدد من القوى الفلسطينية وعلى راسها حركة حماس.
وهناك سيناريو آخر يمكن أن يكون له حظ من بين الاحتمالات المتوقعة بأن يحصل التوافق بين القوى على مجلس رئاسي أو رئيس توافقي، أو تفعيل الإطار القيادي المؤقت الذي تم الاتفاق على تفعيله خلال حوارات القاهرة، ومع ذلك فإن هذا السيناريو أمامه الكثير من العقبات لاسيما في ظل الخلاف المستمر بين حركتي حماس وفتح اللتين لم تتحقق بينهما المصالحة واقعا على الأرض فكيف يمكن ان تتفقا على قيادة فلسطينية مشتركة.
وفي خضم هذا الحديث لا يمكن نسيان لاعب رئيسي ويبدو أنه خيار لبعض دول الاقليم المطرود من حركة فتح محمد دحلان، الذي يرى بعض المراقبين أن حظوظه أضحت قليله الذي رغم بعض الشعبية التي يحظى بها بين أنصار فتح في غزة إلا أنه لا يلقى مثل هذا النوع من الترحيب في الضفة الغربية.
تتشابك قضية اختيار الخليفة في الظروف الفلسطينية كثيرا فالأمر ليس مرهونا بالفلسطينيين وحدهم فهناك قوى اقليمية تلعب أدوارا رئيسية في الملف الفلسطيني وغالبا تكون لها يد في التخطيط واللعب من تحت الطاولة في التأثير على القرار الفلسطيني في الاختيار بل وفي الغياب أو التغييب، فهل درست الفصائل الفلسطينية وخاصة الفاعلة منها خياراتها في حالة وقوع
أي شيء مفاجئ ؟، مثل غياب الرئيس مثلاً؟.