قائمة الموقع

مقال: الميثولوجيا اليهودية والأساطير السياسية

2015-03-02T07:30:33+02:00
جواد البشيتي
جواد البشيتي

السياسة الدولية الآن متصالحة مع خرافة "التَّعجيل في عودة المسيح"، فالمحافظون الجُدُد في الولايات المتحدة نَفَثوا في روع صغير العقل بوش أنَّه المُكلَّف سماوياً بالتعجيل في عودة المسيح، والجزَّار "داعش" كان يذبح للغاية نفسها، و(إسرائيل) التلمودية هي التي تقطف الثمرة الحلوة لجهود ومساعي "التعجيل في عودة المسيح"!

"النبوءة" هي إخبار بالغيب، أو عنه، يُنْسَب إلى نبيٍّ، والنبوءات الدينية، والتوراتية منها على وجه الخصوص، تشغل حيِّزاً من "السياسة"، وهذا الحيِّز يضيق تارةً، ويتَّسِع طوراً.

"الأزمة السورية"، مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، وارتفاع منسوب تورُّط إيران في سوريا، وغيرها، شدَّدت الحاجة السياسية إلى استحضار كثيرٍ من النبوءات التوراتية، ولقد رَأَيْنا "المُسْتَحْضِرين" تُلْزِمهم مصالحهم، أو مصالح مَنْ يُمثِّلون، يتَّخِذون من بعض النبوءات التوراتية الميثولوجيَّة "مُسلَّمات"، ثمَّ يتَّخِذون من هذه "المُسلَّمات" ما يشبه دليل إثبات أو نفي لأمور هي بِنْت السياسة في عالَمها الواقعي.

بعضٌ من "أهل الفكر والقلم" أَسْرَع في تسخير تلك النبوءات في خدمة المآرب السياسية لِوَلِيِّه السياسي، فـ "أَوَّلَ" ما يحدث في سوريا بما يُوافِق نبوءة توراتية، ويُكسبها صِدْقيَّة، قائلاً: لكل مَنْ لا يعرف ما يحدث في سوريا أقول إنَّها الحرب العالمية الثالثة، إنَّها حرب "هرمجدون" النووية، التي ستَدْخُل التاريخ بصفة كونها الحد الفاصل بين تاريخين للبشرية، تاريخ ما قَبْل الحرب على سوريا، وتاريخ ما بَعْد الحرب على سوريا، أمَّا "السبب الحقيقي" لِمَا يحدث في سوريا فهو التمهيد لقيام الدولة (أو الحكومة) اليهودية العالمية، التي ستُحاكِم في محكمة العدل الدولية كل الرؤساء والقادة الذين أبدوا عداءً لقيام هذه الدولة. ولإقامة الدليل على صِدق زعمهم أوردوا من "سفر أشعيا": "وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ دِمَشْقَ، هُوَذَا دِمَشْقُ تُزَالُ مِنْ بَيْنِ الْمُدُنِ وَتَكُونُ رُجْمَةَ رَدْمٍ".

ثمَّ خاطبوا مقاتلي المعارضة السورية قائلين: ليَعِ أولئك الذين يرفعون السلاح أنَّهم يخدمون مآرب (إسرائيل) التي تسعى لإزالة بلدنا من الخارطة، فالتوراة تتنبَّأ بزوال دمشق وتحوُّلها إلى كومة ردم.

كيف ينبغي لنا أنْ نفهم ونفسِّر نفوذ إيران المتنامي في العراق وسوريا؟ إنَّهم يَنْظرون إلى هذا النفود بعيون النبوءات التوراتية، فيقولون إنَّ الجيش الذي سيدمِّر (إسرائيل) سيأتي من العراق، وهذا هو سِرُّ حقدهم على العراق، وسعيهم في تدميره. والعراق الذي تتطيَّر منه الدولة التلمودية ليس العراق الذي كان يحكمه صدام حسين. إنَّهم لم يأتوا بجيوشهم إلى العراق من أجل الاستيلاء على نفطه، فَهُم إنَّما أتوا لتدميره، فمنه سينطلق الجيش الذي سيدمِّر (إسرائيل)، وهذا هو سِرُّ خوفهم من إيران، ومن سلاحها النووي. جيش إيران هو الآن أحد أقوى الجيوش في العالَم، وجحافله ستَمُرُّ في العراق، وتَصِل إلى سوريا، وإلى سائر "منطقة النفوذ البابلي"، وإنَّ عدو (إسرائيل) الأوحد هو هذا الذي يسمُّونه "الهلال الشيعي"، وهذا هو سِرُّ سعيهم إلى إشعال نار الفتنة بين السنة والشيعة.

الغرض السياسي جليٌّ واضحٌ في هذه الميثولوجيا، أو في هذه النبوءات التوراتية التي يَسْتَحْضِرون. إنَّه حَمْل العامة من الناس على النَّظر إلى النفوذ الإيراني المتنامي في "منطقة النفوذ البابلي" بعيون تغشاها الأوهام التلمودية، فإيران تُعِدُّ العُدَّة للقضاء على (إسرائيل)، وهذا ما وَرَد في بعض النبوءات التوراتية التي تتطيَّر منها (إسرائيل)، فكونوا عَوْناً لإيران في العراق وسوريا، إذا ما أردتم رؤية زوال دولة (إسرائيل)!

ومضوا في تأويلهم قائلين: إذا انهارت سوريا (الأسد) فسوف يبدأ حُكْم اليهود للعالَم، فانهيار سوريا سيُشعل فتيل حرب "هرمجدون" النووية، وفي هذه الحرب سيَهلك ثُلثا سكَّان العالَم، ولَمَّا كانت روسيا والصين تُدْركان أهمية سوريا في الدفاع عن وجودهما، سارعتا إلى تأييدها، والوقوف معها.

وبَعْد كل هذا الاستثمار السياسي في الميثولوجيا التلمودية، يقولون: إمَّا أنْ يُحقِّق اليهود نبوءة التوراة بتدمير سوريا، وإمَّا أنْ يُحقِّق "الهلال الشيعي" وعد الله بتدمير (إسرائيل).

لقد فسَّروا كل ما يحدث في سوريا، وفي جوارها، بما يُوافِق الأوهام التلمودية، والنبوءات التوراتية، وبما يسمح لهم، من ثمَّ، بتصوير كل معارِض لبشار الأسد، وللتورُّط الإيراني في سوريا، وغيرها، على أنَّه شخص يَخْدُم، بقصدٍ أو بغير قصد، مخطَّطاً يهودياً (قديماً - جديداً) لتحقيق نبوءة توراتية بدمار سوريا، ويعيق، من ثمَّ، سعي إيران لتحقيق وعد الله بدمار (إسرائيل)!

صحيفة الوطن القطرية

اخبار ذات صلة