الاسرائيليون في صدمة: غير مستوعبين عداء السيسي للقضية الفلسطينية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

د.صالح النعامي

حتى في أكثر أحلامهم وردية لم يكن لقادة الكيان الصهيوني أن يتوقعوا أنه سيأتي اليوم الذي تعلن فيه دولة عربية عن تشكيل للمقاومة الفلسطينية بأنه "إرهابي"، وتتبنى بالتالي التعريف الصهيوني للمقاومة.

وهذا بالضبط ما يفسر احتفاء النخب الصهيونية بقرار "محكمة الشؤون المستعجلة المصرية"، التي اعتبرت "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، تنظيماً إرهابياً.

فقد أجمعت النخب الصهيونية على أن القرار يمثل ضربة قوية للقضية الفلسطينية ويحسن من قدرة (إسرائيل) على مواجهة المقاومة الفلسطينية.

واللافت أن محافل التقدير الإستراتيجي المرتبطة بدوائر الحكم في تل أبيب كانت الأكثر احتفاءً بالقرار. فقد عد "مركز يروشلايم لدراسات المجتمع والدولة" القرار مقدمة لتخلي مصر عن القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

وفي ورقة نشرها على موقعه، أوضح المركز، الذي يديره دوري غولد، كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القرار سيساعد على إسدال الستار على المصالحة الوطنية الفلسطينية وسيقضي على آمال الفلسطينيين في الحصول على اعتراف عالمي بدولتهم.

ويرى المركز أن القرار سيقلص من هامش المناورة أمام رئيس السلطة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس: "ويضعه أمام خيارين، أحلاهما مر: فإما أن يتشبث بخيار المصالحة مع حماس، وبالتالي يخسر العلاقة مع مصر، على اعتبار أن القاهرة ترى في الحركة "تهديداً لأمنها القومي"، أو أن يتنازل عن غزة وبالتالي يفقد حقه في المطالبة بدولة فلسطينية، على اعتبار أن المجتمع الدولي لا يمكنه الاعتراف بدولة بدون غزة".

لكن تسفي بارئيل معلق الشؤون العربية في صحيفة "هارتس"، لا تفوته الإشارة إلى حقيقة أن قرار المحكمة المصرية: "يمثل سابقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي"، مشيراً إلى أن هذه المرة الأولى الذي تتبنى دولة عربية بشكل رسمي وقضائي موقف (إسرائيل) من إحدى مركبات المقاومة الفلسطينية الرئيسة.

وفي مقال نشرته الصحيفة الإثنين الماضي، اعتبر بارئيل القرار "انقلاباً على المبدأ القائل أن المقاومة الفلسطينية تخدم بالضرورة المصالح العربية". واستهجن بارئيل أن يتم تحميل جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس المسؤولية عن العمليات التي تحدث في سيناء، على الرغم من أن منظمة تتبنى أفكار تنظيم "الدولة الإسلامية" هي التي تعلن مسؤوليتها عنها، مشيراً إلى أن هذه الاتهامات ترمي بشكل أساس إلى إضفاء شرعية على تواصل اغلاق قطاع غزة وحصاره.

موقف الصهاينة يظهر حجم وعمق رهانهم على قرار المحكمة المصرية بوصفه يدعم بشكل أساس الأمن الصهيوني

ولم يستبعد بارئيل أن يكون القرار متعلقا بالانتخابات التشريعية التي ينوي السيسي تنظيمها قريباً، مشيراً إلى أن الأخير يريد أن يوظف الاتهامات لحماس والإخوان لنزع الشرعية عن حق ممثلين عن الإخوان في الترشح كمستقلين في هذه الانتخابات.

ويستنتج بارئيل استنتاجاً يبدو أنه منطقي، حيث يؤكد أنه لم يعد بإمكان مصر أن تلعب دور الوسيط بين حماس و(إسرائيل) أو حماس وحركة فتح. وقد عد ألموغ بوكير، المعلق في قناة التلفزة العاشرة قرار المحكمة المصرية بأنه "أهم قرار يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني في السنوات الأخيرة".

وفي تعليق له على القرار، أوضح بوكير إلى أن أحداً لم يكن ليتوقع أن تذهب مصر إلى هذا الحد في عدائها لحركة حماس، مشدداً على أن تأثير القرار يفوق تأثير كل الحروب التي خاضتها (إسرائيل) ضد الحركة.

وأضاف: "لقد تحولت حماس إلى عدو مصر اللدود، حيث لا تتردد الأجهزة الأمنية المصرية في تصفية أي شخص يهرب السلاح لحماس عبر سيناء، مشيراً إلى أن الإجراءات المصرية القاسية ضد حماس تتم بدون احتجاجات جدية داخل مصر أو من المنظمات الحقوقية في العالم.

ووصف بوكير قرار المحكمة المصرية بـ"المذهل"، خاصة أنه جاء في أعقاب قرار المحكمة الأوروبية العليا إخراج "حماس" من قائمة المنظمات الإرهابية. لكن هناك في (إسرائيل) من يرى أنه على الرغم من ارتياح تل أبيب لمواقف السيسي ضد حماس، إلا أنها قلقة من إمكانية أن تسهم زيادة وطأة الحصار على غزة في إجبار حماس على شن حملة جديدة ضد (إسرائيل).

ومن المفارقة أن بعض النخب اليمينية المتطرفة قد تجندت بحماس كبير لصالح نظام السيسي مطالبة العالم بالمسارعة لتقديم الدعم له. فقد هاجم تسفي مزال، السفير الإسرائيلي الأسبق في القاهرة، ذو التوجهات اليمينية، الولايات المتحدة والغرب لعدم تقديم دعم حاسم لنظام السيسي لمساعدته في حربه ضد جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس والتنظيمات الجهادية، على اعتبار أن هذه الحرب تخدم مصالح الغرب و(إسرائيل).

وفي مقال نشره موقع مركز "يروشلايم لدراسات المجتمع والدولة"، عدد مزال "انجازات" السيسي، التي تشمل تدمير1850 نفقاً للتهريب تصل سيناء بغزة، وتفكيك عشرات الخلايا "الإرهابية"، وقتل المئات من عناصر الجماعات "الجهادية".

وانتقد مزال الإدارة الأمريكية لأنها لم تساعد الجيش المصري على تدريب قواته على مواجهة التنظيمات الجهادية، مما جعل أداء هذا الجيش مثيراً للإحراج. واستهجن مزال عدم حماس الغرب لمساعدة السيسي في التصدي لـ "الإسلام المتطرف"، منتقداً بشكل خاص إصرار إدارة أوباما على الاعتراف بجماعة الإخوان المسلمين والتعامل معها كجزء أساس من الحركة الوطنية المصرية.

ولم يتردد مزال في التأكيد على أن (إسرائيل) هي أكثر الأطراف خسارة من فشل السيسي في مواجهته لكل من الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية.

يتضح مما تقدم حجم وعمق رهان الصهاينة على قرار المحكمة المصرية بوصفه يدعم بشكل أساس الأمن الصهيوني.