لا ينحصر "الوعاء الجغرافي" لأي انتفاضة في مكان مولد الشرارة، فهي إن اندلعت تكون أشبه ببقعة الزيت، تواصل التمدد ما لم تطوّق أو يجري احتواؤها، وهذا ما يجعل الفلسطينيين يأملون أن تنسكب صهارة الأحداث المشتعلة بالقدس في الميادين المجاورة لها، والأنظار بطبيعة الحال تتجه نحو الضفة الغريبة والداخل المحتل باعتبارهما ميادين ترى فيهما (إسرائيل) أنهما "مخزون وقود"، تحيطهما بأشد إجراءات السلامة، لعلمها أن انفجارهما يعني أن أمنها ومستوطنيها في خطر.
ورغم أن (إسرائيل) تبدو مرتاحة نسبيا لوضع الضفة في وجود أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي تعمل كوكيل أمني لها، إلا أنها في المقابل قلقة من هبوب رياح تحمل شرارة أحداث القدس باتجاه الداخل المحتل، خصوصا إذا ما علمنا أن البنية الصلبة للحركة الإسلامية توجد في منطقتي المثلث والجليل شمال فلسطين المحتلة، وهي مناطق ذات أغلبية فلسطينية.
وتنظر سلطات الاحتلال لهذه المناطق بعين القلق لوجود قاعدة فلسطينية تؤيد فكر الحركة الاسلامية وأهدافها وأيديولوجيتها، إلى جانب ارتفاع منسوب العنصرية، التي يمثل استمرارها ضد فلسطينيي الداخل "عود الثقاب" لأي انفجار وشيك.
أقرب مثال، كان إقدام الشرطة (الإسرائيلية) على رفع حالة التأهب في صفوفها إلى درجة (C) التي تسبق الأخيرة؛ خشية اندلاع مواجهات عنيفة في مدن وقرى الجليل، في أعقاب قتل الشاب الفلسطيني "خير الدين حمدان" في بلدة "كفر كنا" شمال فلسطين المحتلة، الذي أعقب استشهاده إضراب تجاري وتعليمي عام، خرج بعده رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو وهدد بسحب الجنسية من أي فلسطيني بالداخل المحتل "لا يحترم القانون".
ويشار إلى أن مصادر حقوقية فلسطينية في الداخل المحتل، كانت قد أكدت أن محكمة إسرائيلية قررت تمديد اعتقال 20 شابا فلسطينيا من بلدة كفر كنا، بينهم 9 قاصرين، على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البلدة.
تصعيد
من السهل جدا قراءة موقف الداخل المحتل بشأن ما يجري في القدس، وإزاء الخنق (الإسرائيلي) المتواصل ضدهم، والمؤكد أنه لن يقف مكتوف اليدين، الأمر الذي يجعل الوضع فيه هذه الأيام "حساسا جدا"، وفق تأكيد إبراهيم صرصور، العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي لـ"الرسالة نت".
ويبدو أن صرصور قدّم مبررا لإمكانية ألا تترجم حساسية الوضع في الداخل المحتل إلى تصعيد، حين اعتبر أن المسؤولية ملقاة بشكل كبير على عاتق أهل القدس في الدفاع عنها، لكنه لم ينفِ أنهم يحاولون "بقدر المستطاع وفي حدود الممكن" سدّ الفراغ الناتج عن الظروف السياسية للقضية الفلسطينية حيال موضوع القدس.
ورأى أن حراكهم "ممكن أن يسد ثغرة، لكنه لن يكون بديلا عن موقف عربي وإسلامي دولي يضع حدا للانتهاكات الإسرائيلية".
في غضون ذلك، ربط الكاتب الصحفي الفلسطيني وديع عواودة من مدينة الناصرة المحتلة في حديث مع "الرسالة" إمكانية انفجار الداخل المحتل بحدوث عملية (إسرائيلية) في المنظور القريب، ضد الضفة أو القدس أو الداخل نفسه، بشكل يثير الخواطر، ويكون "المُركّب الديني" حاضرا فيها.
وذكر أن زيادة التحرشات (الإسرائيلية) ومحاولات الاقتحام للأقصى، والحديث المتكرر عن تقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، والكشف عن مساعٍ لبناء الهيكل المزعوم، إلى جانب ارتفاع منسوب العنصرية "بشكل جنوني" ضد الفلسطينيين في الداخل المحتل، كل ذلك سيجعل الأجواء قابلة للانفجار.
وأكد عواودة أن اشتعال الداخل المحتل سيطال هيبة إسرائيل وسيظهرها أمام العالم أنها "نكتة" وليست دولة؛ لأن فقدان الأمن -برأيه-ينفي المفهوم الأساس للصهيونية بتوفير ملاذ آمن للمستوطنين.
وتوقع في هذه الحالة أن ترد (إسرائيل) بقسوة على المواجهات والتصعيد في الداخل المحتل بعد اشتعاله؛ بسبب أن الحكومة الحالية القائمة هي حكومة دينية متطرفة.