الماء كثير يا معلمتي لا يمكننا السيطرة عليه، تقطع شكوتها زميلتها نهى قائلة لها : "هيا يا صديقتي مريم قفي بجانبي ولا تتخاذلي" فيما تأتي زميلتهن أسماء مسرعة من بعيد ومعها "قشاطة" جاءت بها من مخزن المدرسة.
ذاك حوار دار بين الطالبات في أحد ممرات مدرسة الشجاعية حيث مجزرة الفجر هناك. قنابل الاحتلال الإسرائيلي مسحت كل الألوان المستقبلية في تلك المدرسة وأكسبتها لون رمادي.
"نهى ومريم وأسماء" اللاتي أغمرت أحذيتهن بالمياه الممزوج بالتربة التي تساقطت من سقف المدرسة يحاولن طرد مياه السماء التي اقتحمت بوابات صفوفهن والقضاء أيضًا على برك المياه التي ممكن أن تعيق حركتهن وتسبب لهن الأذى.
آلة الطحن الإسرائيلية سمحت للأمطار الغزيرة بأن تفرض "حصة تقشيط" على طالبات مدرسة الشجاعية. الممرات هناك يكفي القول عنها لا يصلح السير عليها ، سور المدرسة مدمر، بعض أسقف صفوف الدراسة ستتحدث عنها بدون حرج.
اقتربت "الرسالة نت" من مريم حسنين، وسألناها لماذا لا تختار مدرسة أخرى تقيها من فصل الشتاء وبرده القارس، مختصرة كانت إجابة تلك الطفلة: " ما بتخلى عن مدرستي(..) لازم نصبر ونصمد ونجيب أعلى معدلات من أجل هزيمة عدونا".
انتقلنا بالحديث لتلك الطالبة التي جاءت تركض بـ"القشاطة" وسؤالها عن سر هذا الحماس، فقالت أسماء عبد الرحمن بعدما مسحت جبينها الذي تصبب عرقًا : " مشان نعرف نتحرك من مكان لمكان (..) وما تمنعنا المياه من عدم الحضور لمدرستنا".
ولم تكن مدرسة الشجاعية للبنات الوحيدة التي تعرضت للاستهداف والدمار، فقصف الاحتلال ما يقارب 200 مدرسة في مختلف محافظات القطاع ، حسب إحصائية أعدتها وزارة التربية والتعليم.
وتوزيعها24 مدرسة دمرت بشكل كامل فيما 120 مدرسة دمرت بشكل جزئي من القطاع الحكومي، وتضررت 70 مدرسة تابعة للأونروا و12 مؤسسة للتعليم العالي، وعشرات رياض الأطفال.
وبالعودة إلى ذلك المرر الرمادي الذي اتسخت أرضيته وجداره الحديدي الأزرق بالتربة الممزوجة بالمياه، قابلنا معلمة الطالبات الثلاثة للوقوف أكثر على زوايا الألم التي خلفته آلة الحرب الإسرائيلية في هذا الجو الممطر.
تقول المعلمة العشرينية حنين فؤاد :" بنحاول نخفف عن طالباتنا في هذه الأجواء الصعبة(..) ولكن تعجبنا من إصرار البنات على تنظيف مدرستهن".
ما قالته "حنين" المعلمة عن صمود الطالبات يبين أن هذا هو ديدن كل فلسطيني صغير أو كبير في كل وقت ومهما اشتدت الظروف وصعبت.
وطالبت المدرسات هناك توفير نوافذ في أسرع وقت ممكن، ومحاولة ترميم الممرات تجنبًا لأي ضرر يصيب الطالبات.
وخلال حديثنا مع المعلمة ، صمتت برهة ثم ترحمت على زميلة لها كانت قد ارتقت شهيدة خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.
وافتقدت وزارة التعليم لـ 22 موظفا منها ما بين معلم ومدير وإداري، إلى جانب إصابة العشرات، ولا ننسى الطلبة الشهداء الذين ارتقوا خلال العدوان، ووصل عددهم لما يقارب الـ500 شهيد وشهيدة، بالإضافة إلى العدد الكبير من الإصابات.
تركنا المعلمة حنين وهي تنادي على مجموعة أخرى من الطالبات تطلب منهن أن يجمعن أنفسهن ويذهبن إلى مخزن المدرسة لإحضار "قشاطات" لمساعدة زميلاتهن الثلاثة، لأن المطر كان غزيرًا جدًا.