" أمتي هل لك بين الأمم.. منبر للسيف أو للقلم، ألإسرائيل تعلون الراية.. في حمى المهد وظل الحرم، رُبَّ وامعتصماه انطلقت.. ملء أفواه البنات اليتّم، لامست أسماعهم لكنها.. لم تلامس نخوة المعتصم".
كلمات قالها الشاعر السوري عمر أبو ريشة عام 1949، وما زالت تتردد حتى يومنا هذا، فلا صوت للمعتصم بين الحكام، ولا جلادٌ يضرب بسوطه ظهر "إسرائيل".
في هذه الأيام تعدى الاحتلال ما يُحاك للأقصى ويخطط له من مرحلة الأنفاق التي كانت تحفر تحته، والمباني التي تُشاد في أسفله، وتغيير ديموجرافية السكان حوله، ومحاولات تهويد مدينة القدس والتضييق على أهلها الأصليين. فقد تعددت الاقتحامات لساحات المسجد وباحاته، بل وإغلاقه ليومٍ كامل في وجه المسلمين، ودخولهم بجنودهم وعساكرهم ومستوطنيهم ليعتدوا على من هم مرابطون في داخله.
وعلى اثر هذه الاعتداءات، عقدت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وعلماء المسلمين في فلسطين، مؤتمرًا يحمل عنوان " النصرة للقدس والأقصى"، ليعيدوا توجيه البوصلة على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
وفي كلمة الأوقاف التي ألقاها وكيل الوزارة الدكتور حسن الصيفي، قال خلالها " الخطر واقع فعلًا، وسيهدم الأقصى تمامًا إذا ما بقي التفاعل فقط ردود أفعالٍ وهبّات ومواقف لحظية وموسمية".
الوصول للقدس
وأكد الصيفي أنّ أهل القدس ليسوا بحاجة إلى مؤلفات أو فتاوى، "فهم يقومون بواجبهم الذي يعرفونه، وإنما يريدون دماء العلماء تسير في أوطانهم، لأنها ستحرك الشعوب بالدفاع عن القدس".
وأضاف الصيفي أن "غزة بحصارها وجوعها وآلامها؛ يجب أن تكون حاضرة بالقدس وشوارعها، بدمائها وأشلائها وسياراتها(..) الأقصى سينهار إن بقينا صامتين".
وشدد على أنّ "غزة تتهيأ للوصول إلى القدس.. من تحت الأرض وفوقها، ومن كبدِ السماء(..) فهي عودتنا على الإبداع وصناعة المستحيل". وفق الصيفي.
ووجّه عدة رسائل، أولها للشعوب العربية قائلًا " إن أردتم أن تتحرروا من مآسيكم.. انصروا القدس وانتفضوا لها، والثانية للحكام العرب، متابعًا " القدس تقول لكم أيها الحكام أعيروني مدافعكم وخلوا لكم جيوشكم وعسكركم وأموالكم وأرضكم وعبيدكم، أعيروني مدافعكم وكفوا عني شركم، وخلوا لكم خذلانكم".
وفي كلمةٍ ألقاها الدكتور مروان أبو راس رئيس اللجنة الوطنية لفك الحصار، نيابة عن الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، طالب فيها الأمة العربية والإسلامية بأن تترك خلافاتها الجانبية وتهتم بقضية الأقصى.
ودعا القرضاوي العرب والمسلمون أن يهبّوا من "سباتهم"، وينهضوا للدفاع عن حرماتهم، قائلًا " في سبيل المسجد الأقصى تراق الدماء، ويبذل المسلمون الأرواح والأموال والأولاد".
وطالب أيضًا، زعماء المسلمين وحكامهم بأن يتخلوا عن مصالحهم الشخصية وخلافاتهم الجزئية، ليلتقوا للدفاع عن مقدسات الأمة. مضيفًا " يا شباب فلسطين انفروا للأقصى، من استطاع أن يصل إليه ويرابط فيه فليفعل، وأدعو الأمة من ورائهم أن تدعم أهل فلسطين بكل ما يحتاجونه لتثبيت صمودهم وتقوية جبهتهم".
من قلب القدس
وفي اتصالٍ هاتفي من مها أبو سنينة، وهي احدى المرابطات في المسجد الأقصى المبارك، تؤكد على صمود من هم في باحاته، وتدعو لنصرته والقدوم إليه والتضحية من أجله.
وأكدت أبو سنينة خلال كلمتها، أنّ الحق لا يؤخذ إلا بالقوة، مطالبةً بدعم المرابطين، ناهية كلمتها بقولها " نحن باقون.. فإما النصر، وإما الشهادة".
وبرسالة مصوّرة ألقاها الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة، قال فيها " إنّ المؤسسات الإسرائيلية تشعر بالطمأنينة مما يجري حولها بالدول العربية، التي أسماها نتنياهو دول إسلامية حليفة". مؤكدًا أن الحكومة "الإسرائيلية" بكاملها هي من تستهدف الأقصى.
وأضاف الخطيب، أننا أمام واقع ينذر بِشرٍ كبير إذا لم تتدارك الأمة نفسها وتؤدي واجبها وتسعى لكسر القيد عن المسجد الأقصى المبارك، مشيرًا إلى أن الدماء في غزة والقدس والضفة تسيل من أجله.
وأوضح أنّ القدس الآن في أوج معركتها، واعدًا أن يبقى أهلها مرابطين وأوفياء مؤتمنين عليها، مطالبًا الدعاة بتأدية واجبهم قائلًا " أنتم اليوم الذين تحوذون عن الأمة بعد أن خان الزعماء والقادة".
ووجّه في نهاية حديثه تساؤلًا " ليكون السؤال من الذي سيؤدي واجبه نصرة للأقصى، ويسجل اسمه في قائمة الشرف والعزة، ومن الذي سيتقاعس ليسجل اسمه في قائمة الخزي والعار".؟
وعن كلمة رابطة علماء فلسطين، فقد قال رئيسها سالم سلامة في كلمة له، إن "القدس ستبقى هي البوصلة التي يتوجه إليها كل أبناء المسلمين بأفئدتهم حتى يحرروها من دنس المستعمر الغاصب".
مضيفًا " لن يضر فلسطين من تآمر عليها بالإعمار، والحصار، ولا من خالفها، لأنها مكفولة من الله، فحُق لهذه الأرض ورجالها ونسائها أن تفتخر".
توصيات
وفي نهاية المؤتمر ألقى المجتمعون -علماء المسلمين بغزة، وأساتذة جامعات، وقادة فصائل- توصياتهم، داعين الحكومات العربية والإسلامية إلى وضع الأقصى على سلم أولوياتهم، وفتح جبهات على الاحتلال، والعمل على مواجهته عبر المؤسسات الدولية سياسيًا واقتصاديًا.
وأوصوا بأن يكون الأقصى أساسًا ثابتًا من أسس الاهتمام على المستوى الإعلامي، والمؤتمرات والندوات والمؤلفات. مطالبين المؤسسات الخيرية والأهلية والشعبية والرسمية بدعم صمود أهل القدس معنويًا وماديا.
ووجه المجتمعون دعوتهم للفلسطينيين في الداخل المحتل، لتكثيف رباطهم، ومواجهة المتطرفين اليهود بالأقصى، حتى توسيع دائرة المواجهة مع العدو. مطالبين أهل القدس بتكثيف التواجد بالأقصى، وحمايته بأرواحهم.
وطالب المجتمعون أيضًا السلطة الفلسطينية بالضفة المحتلة، بإطلاق يد المقاومة ووقف التنسيق الأمني، وعدم مساس المسيرات الاحتجاجية على ما يجري بالأقصى، ووقوفها لجانب شعبها لمواجهة العدو وقطعان المستوطنين.
وجاء وفق توصياتهم أيضًا، دعوة الأحرار كافة، إلى مواصلة الفعاليات الشعبية والرسمية دون توقف، وتخصيص مساحة دائمة في الإعلام المحلي والعالمي للحديث عن القدس والأقصى، والانتهاكات المستمرة ضده.
(عدسة: محمود أبو حصيرة)