يتمتع الحجاج وهم يصفون رحلتهم إلى الديار الحجازية، لكن بعضهم يغير موجة حديثه عندما يتذكر أشكال المعاناة في معبر رفح ومطار القاهرة الدولي، ويصبح دعاؤهم لله أن يكون حجهم مبرورا وسعيهم مشكورا، ودعوتهم لأشقائهم العرب أن يحفظوا كرامتهم قبل أن يتكرموا بالمال والإعمار.
حال المواطن الفلسطيني يعيد للأذهان فاصلا من مسرحية "كاسك يا وطن" خلال حديث يدور بين المواطن العربي ووالده الشهيد يومها صرخ العربي: "الله وكيلك يا أبي مو ناقصنا إلا شوية كرامة".
فلا معنى أن يحشر حجاج غزة لساعات طويلة في المعبر والمطار مثل البهائم لترحيلهم ذهابا وإيابا، مع بعض البهارات من الشتائم وقلة الأدب من بعض الضباط والجنود.
إلى جانب الكرامة هناك أيضا حاجة ملحة، ولأن "كلام الأمريكان حلو"، فسوف اعتمد على شهادة الباحثة الأمريكية بجامعة هارفرد سارة روي التي تشكك في إمكانية حل مشكلات قطاع غزة الإنسانية المأساوية ببضعة مليارات من الدولارات، عبر المساعدات المالية ومؤتمرات المانحين ومعونات إعادة الإعمار فقط. وترى الخبيرة الأمريكية ألا أمل ولا مستقبل لسكان غزة مادامت مشكلة القطاع لم تحل سياسيا، وتقول: "الناس في غزة لا يحتاجون مساعدات إنسانية فحسب وإنما يحتاجون الحرية".
في ذروة الحرب كان لدى الناس أمل أكبر منه اليوم في ظل حالة الجمود والمماطلة، لان المقاومة وضعت شروطها بالحرية والكرامة تحت القصف، من خلال إنشاء الممر البحري والمطار.
ويبدو أن النتيجة التي توصلت لها أجنحة المكر أن سر قوة غزة في مواجهتها للاحتلال تمسكها بكرامتها وعنادها، لهذا تستهدف مشاريعهم نزع هذه الأسلحة -من خلال ترويض الغزاوي بالزحف على بطنه من أجل كيس أسمنت- إعادة إذلاله على معبر بيت حانون بإعادته للعمل لدى عدوه، حتى " تنكسر عينه".. "عصره مثل الليمونة" وهو يتوسل السفر عبر معبر رفح، وفي النهاية تركه يلهث خلف الكابونة.. كابونة التعويض، والإسمنت، والتموين، والسفر، وعندما يتعب ويجلس في "كافتيريا" يتلقط أنفاسه ستتسلل كلمات الأغنية إلى أذنيه:
أعطني حريتي وأطلق يديّ إنني أعطيت ما استبقيت شيّ
آه من قيدك أدمى معصمي لم أبقه، وما أبقى علي؟