لربما يصدق العقل البشري قصة شخصا كان قد نجا من الغرق أو من حريق شبَّ بقربه أو سقط من علو ولم يصب بأي خدوش، ولكن أن تُسقط السماء طنًا من المتفجرات على رأس شخص ويخرج بعد لحظات سالمًا غانمًا. حينها يكفي القول هي معجزة إلهية سجلت باسمه.
في إحدى ليالي الحرب الثالثة على غزة، عاشت عائلة النبيه سويعات جميلة رغم رائحة البارود وأصوات القنابل هنا وهناك التي لم تفارق منزلهم الواقع جنوب المدينة.
كيف لا.. وجدتهم شكرية أخذت بشريط حياتها -حين تحلّق أحفادها حولها- وأعادته إلى 66 عامًا، تقاسمهم أصعب اللحظات التي عاشتها بعدما هاجمتهم الجماعات اليهودية واستباحت دماءهم وهجرتهم من بلداتهم الأصلية.
انتهت الجدة من عرض ذاك الشريط المنهك. ذهب الأحفاد إلى فراشهم فيما يشغل تفكيرهم ذكريات جدتهم المؤلمة بجانب الخوف من أصوات القنابل الإسرائيلية الشديدة.
بزغت شمس النهار التالي خجولة. استيقظت العائلة على فزع جيرانهم بعدما جاءهم اتصال هاتفي من ضابط إسرائيلي يطلب منهم أن يخرجوا من منازلهم حالًا. تمهيدًا للقصف بالطيران الحربي.
منزل الدكتور أبو أحمد النبيه المحاضر في الجامعة الإسلامية كان هو الملجأ لجيرانه المهددين.
الشاب طلال الابن الثاني للدكتور الأكاديمي. حين اقترب من ملامح جيرانه الذي لجأوا في منزلهم، غرّد على حسابه الشخصي بمنشور حمل عدة تساؤلات، يتصدرها ما هو الشعور حين يتصل بك الضابط الإسرائيلي ويطلب منك الخروج فورًا؟.
لم يمضِ كثيرًا الرد على إجابة الشاب طلال الذي سيُنهي دراسته الجامعية هذا العام، رقم خاص ظهر على شاشة هاتف والده. ألو نعم؟. يجيب أبو أحمد. يرد عليه صوت جهوري قائلًا له: "أبو أحمد النبيه أخرج من منزلك الآن، قطعة الأرض التي أمام منزلك سيتم استهدافها".
يروي الشاب بعدما أعاد رأسه إلى الوراء ليركنه على الجدران الذي كان يرتكز عليه: "هذا أصعب شعور في حياتي(..) الله يكون بعوننا وبعون الناس".
أخلى طلال ووالده أفراد العائلة المكونة من 12 فردًا، والجيران أيضًا، بطريقة أو بأخرى استطاع الشاب توفير مركبة لتقل جدته وأمه واخوته الصغار. توجّهت المركبة إلى غرب المدينة.
بقي طلال وأخاه الأكبر أحمد الذي اقترب موعد حفل زفافه ووالده على بعد عشرات الأمتار من منزلهم.
دقائق مرت، لتتشوه تلك الأرض الفارغة الملاصقة لمنزل آل النبيه إثر صاروخين من الطائرة الحربية وتدمر سور المنزل الأمامي.
انقشع الغبار وبدأت الرؤية تتضح. حينها سار طلال ووالده بحذر إلى المنزل لإحضار الأوراق الثبوتية وبعضًا من الممتلكات الخاصة.
دخل الوالد وابنه المنزل لا يباليان لرائحة البارود التي غزت أنفهما وأثقلت على راتيهما. في وسطه قبل أن يتفرقا للذهاب لإحضار الأغراض، طائرة إسرائيلية خائنة أسقطت قنبلة برميلية تزن طنًا من المتفجرات على رأس ذاك الدكتور الأكاديمي والشاب الجامعي.
دون شك، المشهد في المنزل آنذاك صمت وظلام شديد، إضافة إلى رائحة كريهة عمّت المكان.
واعتمدت آلة الطحن الإسرائيلية سياسة تدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، منهم من نجى بلطف من الرحمن وآخرين أصابتهم بإعاقة دائمة أو عائلة بالكامل صعدت إلى السماء، كعائلة أبو ظهير وأبو جامع مثلًا.
وبالرجوع إلى تفاصيل القصة، أحمد الذي انتهى من تجهيز شقته يشاهد البيت بأكمله يهوي على رأس والده وأخيه، يقف أمام المنزل المدمر وجهه شاحب لا يحرك ساكنًا، ثم بدأ ينادي بصراخ ممزوج بالبكاء "يابا يابا. أخوي وينكم".
في تلك اللحظة كان طلال يسمع أخيه جيدًا، ولكن لم يستطع التكلم لطمأنته، كان مرعوبًا ومتعبًا جدًا. أما والده لا صوت له.
استجمع قواه وعدل رأسه، وفجأة سمع صوت خافت كان مصدره والده، أشعل طلال مصباح هاتفه وبدأ يسير بتخبط إلى مصدر الصوت فيما كان أحمد لم ينقطع بالصراخ.
ارتطم الابن بجسم والده الذي كان ممددًا على الأرض. حينها نادى طلال بكل قوته، ليهدئ من روع أخيه "أنا وأبويا عايشين.احنا عايشين".
يكمل طلال "لا أعرف كيف عشنا ولا بعرف كيف اطلعنا من بين الركام (..) هذه معجزة من عند الله".
حتى صياغة هذا النص، طلال يضع اللمسات الأخيرة لمشروع تخرجه، أما والده فعاد إلى مهنته يدرس الأجيال، وأحمد أجّل حفل زفافه إلى شهور لعله يجد شقة يستأجرها. وأما باقي العائلة تقطن الآن في إحدى غرف منزل جدتهم.