٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

من مجزرة قبية إلى غزة.. تاريخ من القتل والإنكار الإسرائيلي

الرسالة نت - متابعة

تعود مجزرة قرية قبية الفلسطينية، التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1953، إلى الواجهة مع استمرار الحرب على قطاع غزة، باعتبارها محطة مبكرة في تاريخ استهداف المدنيين الفلسطينيين، وما رافق ذلك من تبرير رسمي للقتل ومحاولات للتنصل من المسؤولية. فالمجزرة التي أودت بحياة 69 فلسطينياً، معظمهم من النساء والأطفال، لا تستحضر فقط فصلاً دامياً من الماضي، بل تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن استمرارية السياسات الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيين، رغم اختلاف الظروف والسياقات التاريخية.

وبينما يحاول أنصار الصهيونية الليبرالية الفصل بين سياسات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وممارسات الدولة الإسرائيلية، بحجة أن ما يجري في غزة يمثل انحرافاً نحو اليمين المتطرف، تشير أحداث قبية إلى أن استهداف المدنيين واستخدام القوة الجماعية لم يظهرا مع الحكومات الإسرائيلية الحالية، بل تعود جذورهما إلى السنوات الأولى لقيام إسرائيل.

قبية.. مجزرة بأوامر عسكرية

وقعت مجزرة قبية في الضفة الغربية المحتلة، في الليلة الفاصلة بين 14 و15 أكتوبر/تشرين الأول 1953، عقب هجوم استهدف مستوطنة «يهود» شرقي تل أبيب، وأسفر عن مقتل امرأة إسرائيلية وطفليها. واتخذت القيادة الإسرائيلية من الهجوم ذريعة لشن عملية عسكرية واسعة على القرية الفلسطينية، رغم عدم ثبوت صلتها المباشرة بالحادث.

ونفذت العملية قوات من المظليين والوحدة 101، التي أسسها أرييل شارون، الذي تولى قيادتها لاحقاً وأصبح رئيساً للحكومة الإسرائيلية. وأسفرت الغارة عن استشهاد 69 فلسطينياً، غالبيتهم من النساء والأطفال، وتدمير 45 منزلاً، إلى جانب مدرسة ومسجد.

وأظهرت تقارير دبلوماسية أميركية أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على المنازل، وألقت القنابل اليدوية داخلها، وقتلت أشخاصاً كانوا يحاولون الفرار، قبل تفجير عدد من المباني على من بداخلها. ولم تكن العملية، وفق الروايات التاريخية الواردة بشأنها، مجرد اشتباك عسكري، بل هجوماً واسعاً استهدف سكان القرية وممتلكاتهم.

وجاءت المجزرة في سياق أعقب نكبة عام 1948، حين هُجّر أكثر من 700 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، وسيطرت إسرائيل على أراضيهم، ومنعت كثيرين منهم من العودة إلى منازلهم وحقولهم. ومع محاولات بعض الفلسطينيين العودة إلى أراضيهم أو الوصول إلى مصادر رزقهم، اعتمدت السلطات الإسرائيلية سياسة أمنية اتسمت بالردع والعقاب، بدلاً من معالجة جذور النزاع الناجمة عن التهجير ومصادرة الأراضي.

من قبية إلى غزة.. استهداف المدنيين والإنكار

لم تتوقف تداعيات مجزرة قبية عند الخسائر البشرية والدمار الذي خلفته، بل امتدت إلى محاولة إسرائيل التنصل من مسؤوليتها. ففي مواجهة التنديد الدولي، تبنت الحكومة الإسرائيلية رواية تنفي مشاركة الجيش في الهجوم، وادعت أن مدنيين من مستوطنة مجاورة نفذوه رداً على الهجمات الفلسطينية.

وجاءت هذه الرواية رغم التقارير الدبلوماسية التي نسبت العملية إلى القوات الإسرائيلية، في نمط من الإنكار والتلاعب بالوقائع بهدف احتواء الضغوط الخارجية وتخفيف الكلفة السياسية للمجزرة.

وتعيد هذه الوقائع إلى الأذهان الجدل الذي رافق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل الدمار الواسع، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتدمير المنازل والبنية التحتية، والاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.

ويطرح الربط بين قبية وغزة سؤالاً يتجاوز المقارنة بين مجزرتين تفصل بينهما عقود: هل تمثل الممارسات الإسرائيلية الحالية قطيعة مع تاريخ الدولة، أم امتداداً لنهج قديم يقوم على استخدام القوة الواسعة ضد الفلسطينيين، ثم الدفاع عن شرعيته أمام الانتقادات الدولية؟

ويرى أصحاب هذا الطرح أن الاختلاف بين المرحلتين لا يلغي أوجه التشابه في استهداف التجمعات السكانية، وتدمير الممتلكات، وتبرير العمليات العسكرية باعتبارات أمنية، فضلاً عن السعي إلى تحميل أطراف أخرى مسؤولية استمرار العنف. لكن المقارنة التاريخية لا تعني تطابق الأحداث في حجمها أو ظروفها، بقدر ما تسلط الضوء على أنماط متكررة في التعامل مع الفلسطينيين.

إجماع داخلي رغم الإدانة الدولية

على الرغم من التنديد الدولي الواسع بمجزرة قبية، حظيت العملية بتأييد كبير داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية آنذاك. وتبنت غالبية الصحف رواية الحكومة، وتجنبت وصف ما حدث بأنه مجزرة، فيما انصبت انتقادات محدودة على الأضرار التي لحقت بصورة إسرائيل في الخارج.

كما لم يتحول اعتراض وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شاريت، الذي رأى أن العمليات العسكرية الواسعة تهدد فرص السلام وتفاقم الأزمة الدبلوماسية، إلى مواجهة سياسية حقيقية مع النهج الذي تبنته القيادة. وعلى الرغم من تحفظاته، انتهى شاريت إلى الدفاع عن إسرائيل في مواجهة الضغوط الدولية.

وتكشف هذه الواقعة، وفق قراءة تاريخية للمجزرة، عن التناقض بين إدانة بعض الممارسات الإسرائيلية من منظور أخلاقي، وبين مواصلة الدفاع عن سياسات الدولة وشرعيتها. وهو تناقض عاد إلى الظهور مع الحرب على غزة، خصوصاً لدى تيارات صهيونية ليبرالية تنتقد نتنياهو وحكومته، لكنها ترفض تحميل المشروع الصهيوني أو بنية الدولة الإسرائيلية مسؤولية أوسع عن معاناة الفلسطينيين.

ويستند هذا الخطاب إلى الفصل بين إسرائيل بوصفها دولة، والحكومات التي تتولى قيادتها، مع تقديم سياسات اليمين المتطرف باعتبارها انحرافاً عن المسار المفترض للدولة. غير أن تاريخ قبية يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا الفصل على تفسير ممارسات عسكرية وقعت في ظل قيادات إسرائيلية من تيارات سياسية مختلفة.

جماعات الضغط.. من أزمة قبية إلى الدفاع عن إسرائيل

لم تقتصر تداعيات المجزرة على الداخل الإسرائيلي، بل امتدت إلى الولايات المتحدة، حيث تحركت شخصيات ومنظمات يهودية بارزة للضغط على الإدارة الأميركية من أجل إنهاء تجميد المساعدات المقدمة لإسرائيل، في أعقاب العملية.

وشهدت تلك المرحلة تحركات ساهمت في توسيع جهود تنظيم الدعم السياسي الأميركي لإسرائيل، وصولاً إلى تأسيس اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة «أيباك» بصيغتها المعروفة لاحقاً. ومع أن نشأة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل جاءت ضمن مسار تاريخي أوسع، فإن أزمة قبية أظهرت مبكراً أهمية التعبئة السياسية والإعلامية في مواجهة الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل.

ويكتسب هذا الجانب أهمية في سياق الحرب على غزة، إذ لا يقتصر الجدل بشأنها على العمليات العسكرية، بل يشمل أيضاً المعارك الدبلوماسية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا، ومحاولات التأثير في مواقف الحكومات والبرلمانات والرأي العام، وسط انقسامات بشأن الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل ومحاسبتها على الانتهاكات المنسوبة إليها.

شهادة تاريخية تتجاوز قبية

في أعقاب المجزرة، برزت أصوات يهودية وإسرائيلية انتقدت استهداف المدنيين، من بينها المفكر الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، الذي وصف ما حدث بأنه عقاب جماعي لأبرياء بسبب جريمة ارتكبها آخرون. كما انتقد شخصيات أخرى تجاهل البعد الأخلاقي للمجزرة، رغم محاولات تبريرها باعتبارات استراتيجية وأمنية.

وتكتسب هذه المواقف دلالتها اليوم في ظل الحرب على غزة، إذ تعيد طرح مسألة المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن قتل المدنيين، وحدود الاكتفاء بانتقاد حكومة بعينها من دون مراجعة السياسات التي تتيح استمرار العنف.

وبعد أكثر من سبعة عقود على مجزرة قبية، لا تزال القضية الفلسطينية تواجه أسئلة تتعلق بالتهجير، وحماية المدنيين، والمساءلة عن الجرائم، وحق الفلسطينيين في الحياة والأرض وتقرير المصير. وبينما تختلف تفاصيل الحاضر عن وقائع عام 1953، فإن استحضار قبية يوضح أن فهم الحرب على غزة لا ينفصل عن تاريخ طويل من الصراع، بدأ قبل عقود من وصول نتنياهو إلى الحكم، وشهد محطات متكررة من القتل والتهجير والإنكار.

وهكذا، لا تبدو مجزرة قبية مجرد ذكرى مؤلمة من الماضي، بل محطة تاريخية تتيح قراءة العلاقة بين القوة العسكرية الإسرائيلية، والخطاب الرسمي الذي يبررها، وشبكات الدعم السياسي التي تسعى إلى احتواء تداعياتها. وفي ظل استمرار آثار الحرب على غزة، يظل السؤال الأهم متعلقاً بمدى قدرة المجتمع الدولي على تجاوز بيانات الإدانة إلى مساءلة فعلية تضمن حماية الفلسطينيين ومنع تكرار المآسي.

 

بث مباشر