٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

احتكار الاستيراد وأزمة السيولة يفاقمان الاختلالات الاقتصادية في غزة

الرسالة نت - خاص

تتفاقم الاختلالات الاقتصادية في قطاع غزة مع استمرار القيود المفروضة على إدخال البضائع وتراجع كميات السلع المتاحة في الأسواق وارتفاع تكاليف استيرادها، في وقت يعاني فيه الغزيين من ضعف الدخل وتراجع القدرة الشرائية ونقص السيولة النقدية.

وفي ظل هذه الظروف، يثير حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار، تساؤلات بشأن المنافسة في الأسواق وآليات تحديد الأسعار والجهات المستفيدة من تدفق البضائع والأموال.

وتتجاوز تداعيات الأزمة مجرد ارتفاع أسعار السلع لتطال توزيع السيولة بين المواطنين والتجار وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، خصوصا مع محدودية فرص العمل ومصادر الدخل. كما يثير رفض بعض التجار قبول المدفوعات النقدية، مخاوف من تعقيد المعاملات اليومية وزيادة الضغوط على المواطنين الذين يحتفظون بأموالهم نقدا.

احتكار التوريد
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات في حصر استيراد البضائع في عدد محدود من التجار مع خضوع قوائم السلع المسموح بإدخالها للقيود والموافقات الإسرائيلية.
ويقول الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن عدد التجار الذين تولوا الاستيراد بدأ بثلاثة ثم ارتفع إلى خمسة ووصل إلى 12 قبل أن يتراجع إلى ثمانية، معتبرا أن هذه التغييرات تحد من المنافسة وتمنح المستوردين المعتمدين نفوذا واسعا داخل السوق.

ويوضح أبو قمر أن هذا الوضع يتيح التحكم في أنواع البضائع التي تدخل القطاع وكمياتها وتوقيت وصولها ما ينعكس على توافر السلع وأسعارها. فكلما تقلص عدد المستوردين وقلت الكميات المعروضة مقارنة بالطلب ازدادت احتمالات ارتفاع الأسعار، خصوصا عندما يصعب على التجار الآخرين إدخال بضائع بديلة أو منافسة.

وتتفق هذه المخاوف مع ما وثقته وكالة أسوشيتد برس في تحقيق نشرته في 20 أغسطس/آب 2026، بشأن توسع شبكات التهريب في غزة، في ظل القيود المفروضة على دخول البضائع. وأشار التحقيق إلى أن السلطات الإسرائيلية منحت 12 تاجرا في القطاع تصاريح لاستيراد السلع التجارية وأن محتويات الشحنات تخضع لموافقات إسرائيلية، فيما تتجه بعض الأطراف إلى قنوات غير رسمية لتوفير سلع يصعب إدخالها عبر المسارات المعتادة.

ويشدد على أن رسوم التنسيق لإدخال الشاحنة الواحدة تتراوح بين 200 ألف شيكل ومليون شيكل، وقد تصل إلى مليون ونصف المليون شيكل أو أكثر، خصوصا عندما تحمل الشاحنة سلعا أكثر إلحاحا، مثل الزيوت المعدنية والبطاريات وغيرها.

ويرى أن هذه التكاليف المرتفعة تمنح فئة محدودة من التجار فرصة لتحقيق أرباح كبيرة، بينما يتحمل المستهلك النهائي جانبا من الأعباء عبر ارتفاع أسعار السلع.
وتقدّم تقارير الأمم المتحدة مؤشرات على أن تكاليف التنسيق تمثل عاملا مؤثرا في السوق، فقد أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، في تحديث سابق بشأن غزة، إلى أن رسوم التنسيق المفروضة على البضائع التجارية، والتي قد تصل إلى آلاف الدولارات للشاحنة الواحدة، إلى جانب تضرر البنية التحتية واضطراب سلاسل الإمداد، تسهم في ارتفاع أسعار السلع الأساسية. كما أشار إلى أن نقص السيولة يعرقل قدرة التجار على إعادة تخزين البضائع ودفع مستحقات الموردين.

وتزداد خطورة هذه التكاليف مع استمرار النقص في الإمدادات، فوفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر بداية شهر أكتوبر الجاري، جمّع القطاع الخاص 788 حمولة شاحنة تجارية دخلت القطاع خلال الفترة من 21 إلى 27 سبتمبر/أيلول، بانخفاض 10% عن متوسط الأسابيع الأربعة السابقة، البالغ 871 حمولة أسبوعيًا.

ارتفاع الأسعار
وتحتاج الأسواق إلى تدفق منتظم وكافي من السلع لتلبية احتياجات السكان والحفاظ على المنافسة بين الموردين، لكن التقديرات تشير إلى أن احتياجات غزة تتجاوز 800 شاحنة يوميا، بينما يدخل ما بين 200 و250 شاحنة في أفضل الأحوال، مقارنة بـ600 شاحنة يشير إلى أنها واردة في بروتوكول الإغاثة.

ويجب التمييز هنا بين إجمالي الاحتياجات اليومية وأعداد الشاحنات التجارية وشحنات المساعدات الإنسانية، إذ تختلف هذه المؤشرات بحسب نوع الحمولة والغرض منها. ومع ذلك فإن نقص الإمدادات التجارية، إلى جانب القيود على بعض السلع، يحد من قدرة السوق على الاستجابة للطلب.

وفي تقرير آخر صدر في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، ذكر مكتب "أوتشا" أن القطاع الخاص جمع 853 حمولة شاحنة تجارية خلال أسبوع واحد، وأن 26% منها حملت سلعا غير أساسية، في حين توزعت بقية الشحنات على الأغذية ومواد الإيواء والنظافة والأدوية وغيرها.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى اختفاء بعض السلع من الأسواق وارتفاع أسعار المتوافر منها، في وقت لا تستطيع فيه الأسر تعويض الزيادة بسبب تراجع مداخيلها.

ويشيروا إلى أن التحكم في توقيت إدخال البضائع وكمياتها قد يمنح بعض المستوردين قدرة أكبر على التأثير في الأسعار، وهي مسألة تتطلب بيانات مستقلة عن حصص السوق وتكاليف الاستيراد وهوامش الربح للتحقق من حجمها.

ولعل الأزمة لا تقف عند توافر البضائع، إذ يمثل نقص السيولة النقدية عامل إضافي يفاقم الركود، حيث أن الأموال تتدفق من أيدي غالبية المواطنين إلى شريحة صغيرة من التجار والمتعاملين في السوق، من دون أن تعود بالقدر الكافي إلى التداول اليومي.

وتتجاوز المشكلة آثارها المباشرة إلى النظام المصرفي، إذ يحذر اقتصاديون من أن الدفع الإلكتروني الإلزامي قد يزيد اعتماد المواطنين على الحسابات البنكية ويعرض بعضهم لمخاطر تجميد الأرصدة أو تعذر الوصول إليها.
وهذه المخاوف تكتسب أهمية في ظل ما أورده تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الصادر في 24 سبتمبر/أيلول 2026، بشأن القيود التي تواجه البنوك الفلسطينية في تحويل الأوراق النقدية من الشيكل إلى أرصدة رقمية، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في تمويل استيراد الغذاء والدواء والوقود.

بث مباشر