تتوالى عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في مسافر يطا جنوب الخليل، في وقت يحذر فيه سكان المنطقة ومؤسسات حقوقية من أن تدمير المساكن والمنشآت الزراعية والخدمية، إلى جانب التضييق على مصادر المياه والطاقة وسبل كسب الرزق، يدفع السكان تدريجيا نحو مغادرة أراضيهم.
وتشهد مسافر يطا، وفق مصادر فلسطينية، تصعيدا في عمليات هدم المنازل والمنشآت، بالتزامن مع فرض قيود على البناء وحرمان السكان من خدمات أساسية، بينها الكهرباء ومياه الشرب.
ويقول فلسطينيون إن هذه الإجراءات، إلى جانب التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين، تضيق مساحة الحياة أمام سكان مسافر يطا، وتدفعهم إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم التي يعتمدون عليها في معيشتهم.
وتضم مسافر يطا قرى وتجمعات فلسطينية يعتمد سكانها بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية المواشي، فيما تمثل المنازل وحظائر الأغنام وآبار المياه ومنشآت الطاقة الشمسية مقومات أساسية لاستمرار حياتهم في المنطقة.
ومنذ سنوات، تصنف سلطات الاحتلال قرابة نصف مساحة مسافر يطا منطقة لإطلاق النار، وتحظر على الفلسطينيين دخولها أو البناء فيها، في حين أقيمت داخل المنطقة مستوطنات وبؤر استيطانية، بينها بؤر رعوية، يقول فلسطينيون إنها باتت مصدرا متزايدا للاعتداءات والضغط على السكان.
ويشير السكان إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين على التجمعات الفلسطينية وممتلكاتها، بما في ذلك الأراضي الزراعية ومصادر المياه والمواشي، معتبرين أن تزامن هذه الاعتداءات مع عمليات الهدم والقيود المفروضة على البناء والحياة اليومية يزيد الضغوط عليهم ويدفع بعض التجمعات نحو الرحيل.
وفي الثاني من سبتمبر/أيلول 2026، وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان هدم قوات الاحتلال 38 منشأة سكنية وزراعية وخدمية في قرية التبان بمسافر يطا، ما أدى إلى تشريد ثماني أسر تضم 58 شخصا، بينهم 26 طفلا و30 امرأة.
وبعد أقل من أسبوع، هدمت قوات الاحتلال، في الثامن من سبتمبر/أيلول، 20 منشأة أخرى في قريتي الفخيت وخلة الضبع، وفق المركز، ما تسبب بتشريد خمس أسر تضم 33 شخصا، بينهم 14 طفلا و15 امرأة.
وتأتي عمليات الهدم في منطقة تشهد منذ سنوات قيودا على البناء واستخدام الأراضي، بالتزامن مع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، الأمر الذي يزيد مخاوف الفلسطينيين من فقدان قدرتهم على الوصول إلى الأراضي التي يعتمدون عليها في الزراعة والرعي.
ويقول نضال أبو عرام، رئيس مجلس قروي مسافر يطا، إن ما يجري في المنطقة يمثل، بحسب وصفه، مخططا لتهجير السكان الفلسطينيين من مناطقهم.
ويضيف، أن نحو 2500 فلسطيني مهددون بالتهجير من مواقعهم، معتبرا أن هدم المساكن والمنشآت والاستيلاء على الأراضي يهدف إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان الفلسطينيين واستخدامها للزراعة والرعي.
ويشير أبو عرام إلى أن نحو 32 ألف دونم من أراضي يطا التي يستخدمها الفلسطينيون للزراعة والرعي مهددة بالسيطرة التدريجية، محذرا من أن اقتلاع سكان التجمعات وهدم مساكنهم ومنشآتهم يحرمهم من الوصول إلى الأراضي التي تشكل مصدر رزقهم.
ولا تقتصر آثار الهدم على فقدان المأوى، إذ يقول المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن حرمان السكان من مصادر المياه والطاقة ووسائل كسب الرزق، إلى جانب منع البناء ورفض المخططات التنظيمية، يشكل، بحسب تقييمه، منظومة من الإجراءات التي تضغط على السكان وتحد من قدرتهم على البقاء في أراضيهم.
ويربط المركز بين هذه الإجراءات وتوسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، معتبرا أن استمرارها يعمق السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية ويدفع السكان باتجاه النزوح.
ويستند النقاش القانوني بشأن هذه السياسات إلى رأي استشاري أصدرته محكمة العدل الدولية في 19 يوليو/تموز 2024 بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وخلصت المحكمة إلى أن الوجود (الإسرائيلي) المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت إسرائيل إلى إنهائه بأسرع ما يمكن، كما دعت إلى وقف النشاط الاستيطاني الجديد وإخلاء المستوطنين من الأرض الفلسطينية المحتلة.
كما تناولت المحكمة في رأيها إجراءات مرتبطة بمصادرة الأراضي وحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى الموارد الطبيعية، وخلصت إلى أن بعض الإجراءات التي تؤدي إلى مغادرة السكان الفلسطينيين في المنطقة "ج" تتعارض مع حظر النقل القسري للسكان المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني.
وبالنسبة إلى مسافر يطا، يرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استمرار هدم المنازل والمنشآت وحرمان السكان من مقومات الحياة، بالتزامن مع التوسع الاستيطاني، لا يمكن فصله عن مسار أوسع للسيطرة على الأرض.
ويطالب المركز المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات لحماية التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا، ومنع عمليات تهجير جديدة، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات أمام العدالة الدولية، إلى جانب توفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين.
وبينما تتواصل عمليات الهدم، يبقى سكان مسافر يطا أمام معادلة تتجاوز خسارة منزل أو منشأة؛ فكل عملية هدم تعني، بالنسبة إلى الأسر المتضررة، تقلص المساحة التي تستطيع العيش والعمل فيها، فيما يزداد القلق من أن يؤدي تتابع هذه الإجراءات إلى تغيير واقع المنطقة على الأرض بصورة يصعب عكسها.