٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

مقال: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ مريم 12 أبا عبيدة الأيقونة

الدكتور محمد ابراهيم المدهون.
الدكتور محمد ابراهيم المدهون.

د. محمد إبراهيم المدهون

أبا عبيدة… أيقونة الحرية وسيد الإعلام المقاوم، يقف وحيدًا فوق ركام بيوت غزة، يصنع من بين الأنقاض نسيج الأمل، ويجمع في راحة يده البطولة وفصل الخطاب، محيكًا لكل فتى كوفية وكاميرا وضمادة جرح، ليحيل فلسطين حيّة في قلب كل مؤمن. يترجل وجه الطوفان والمحرقة في ساحات الشرف، فاستشهاده (إن صح) قدر شعب اختار الدفاع عن دينه ووطنه، والقلب الشجاع وحده يضيء الطريق، وتصحيح السردية يفتح أبواب التحرير. حذيفة الكحلوت، رمز وفارس نبيل، خرج لله ليحرر أرضه ويعيد أهله إلى المجدل ونعليا، واضعًا نصب عينيه شهادة الانصهار في سبيل الله وعلى درب تحرير القدس، حاملاً رسالة الأجداد، وغرس حب الأرض وروح الصمود في كل حجر ودم وقصة، ليصبح كل فعل وكل لحظة شهادة حية على الصبر والجهاد، وإيمانًا لا ينكسر بأن فلسطين ستظل شامخة، نابضة بالأمل، حيّة في قلب الظلمات مهما اشتدت. وخطواته ممتدة بالكيلومترات، وصدى صوته يرفع راية الثبات، ودمه يجري كنهر حيّ في شوارع غزة، يروي أرصفة الوطن ويزرع الأمل في وجوه أطفالها، ويعلّمهم نطق الحروف الأولى في مدرسة السردية والمقاومة

الملثم الذي أخفى وجهه ليتضح وجه فلسطين، لم يكن مجرد ناطق أو اسم في سجلات الثورة، بل سيرة شعب كامل في شاب واحد؛ عاش معسكر جباليا الثورة على أنغام خطى عماد عقل، وقلبه يسبح فلسطين من رفح إلى الناقورة، رمزًا خالدًا لشعب عظيم. هدير صوته ونبض كلماته كانا بوصلة الحائرين في بحر أمة متعثرة، حاملًا مشروعًا لا يساوم ورؤية لا تنكسر، تخرّج شابًا يافعًا من مدرسة الإعلام المقاوم، وحوّلته قيادة المنعطفات الحاسمة من رد فعل إلى مشروع سردية سبّاقة، جامعًا بين الوعي والثورة والكاريزما، ثابتًا على الأصول لا يبدل ولا يتراجع، عاش فلسطين جرحًا وأملًا ومصيرًا، وفارسًا أيقونة، ملتحقًا بقافلة الطائفة المنصورة، ليبقى حاضرًا في ضمير الأمة، شاهداً على أن الكبار لا يرحلون بل يورّثون الأمانة للأجيال ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. ومن طفولته بين جباليا الثورة والبحر، من دفاتر الأطفال ومراكبهم الورقية إلى ساحات المعارك وصواريخ القسام، ترسخ اسمه في الحجر والأرض والأشجار، ليصبح رحيله ليس نهاية بل انفجارًا في كل قلب أمة الخذلان، ستبقى صرخته تتجاوز الزمان: "أنتم خصومنا أمام الله"، تهز ضمائر أمة الغثائية وتوقظ رجولة تأخرت، وتدفع للفعل بدل البكاء على قارعة الانتظار، لتصبح هذه اللحظة ليست وداعًا بل انطلاقًا، فكل دم يُراق وكل صوت يُسكت هو نبراس يذكرنا أن أبو عبيدة حيّ في عزيمتنا، وأن أبا عبيدة لم يمت، ولكن شبه لهم.

من المحراب بدأت رحلة فارس الكلمة والكاميرا، فانطلق القطار نحو تحرير فلسطين، وقوده الدم والكلمة والكاميرا، إعلاميوه يعتلون صهوة المجد، يرفعون صورًا أبلغ من ألف كلمة، ويوثقون سقوط وتهاوي بيت العنكبوت. فبالدم كُتبت أفعالهم: "ليسوؤوا وجوهكم". يسير القطار شامخًا بلا توقف، يخترق الحدود، ويصبح ما كان حلماً واقعًا. أبا عبيدة، منارة حجبت الظلام وأنارت دروب الحقيقة، أعادت كتابة سردية فلسطين السليبة، فاستحق كل تقدير وأجيالًا تتذكره كأيقونة، متمنطقًا بالشهادة، يحاصر الموت، ويتجاوز المكان والزمان، شامخًا كعلم مقاومة لا يسقط، يواجه الظلام بالكلمة والكاميرا، يحاصر الأوغاد بصدق روايته، ويكتب بدمه وأشلائه نورًا على الأزقة، ليبقى طريق القدس مفروشًا بالصبر والصدق، والشهادة كتابًا مؤجلًا بيد الله، منارة سامقة في جبين الوطن، محفورة في كل شبر، تروي للأمة أن العظماء لا يرحلون، بل يورّثون الأمانة والبطولة، تاركين الوطن مشرقًا بذكراهم، منارة لا تنطفئ على فجر التحرير المنتظر.

بث مباشر