مع جلجلة التكبير واندلاع انتفاضـ.ـة الأقصى الثانية عام 2000م، وسط زخات الرصاص وآهات الأرض المكلومة، انعقد رباط مقدس بين حُرَّين: محمد عودة (أبو عمرو)، ورفيقة دربه سمر عبد الوهاب كشكو، لم تكن "سمر" غريبة عن مهارب التضحية، فهي نبتة صالحة خرجت من بيت طُهر وعبادة، ووالدها هو الشيخ عبد الوهاب كشكو (أبو يونس) رحمه الله، حمامة مسجد "صلاح الدين" في حي الزيتون العتيق، تزوجا والبلاد تغلي، فكان بيتهما منذ اللحظة الأولى محطاً للمكاره والمشقات، لم يبتغيا في دار الهوان علواً ولا فساداً، بل توطّنا على لَأْوَاءِ الطَّريق، فما لانت لهما قناة ولا ضعفت في جادة الحق حُجّة.
ولم يرمش للاحتلال جفن عن أبي عمرو؛ فطارشته عيونهم وأعوانهم، حتى سيق إلى عتمات السجون، فقضى سنوات عديدة خلف القضبان، يجتر الصبر ويقتات على الذكرى، وفي غيابات الجبِّ تلك، تجرّع غُصَّة الفَقْد الأكبر حين فُجِع برحيل والدته دون وداع، فمضتْ إلى رَبِّها غريبة الشَّوق، وبقي هو مغلول الكفِّ كصبر يعقوب، لسان حاله: "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله".
وحين تنفّس الحرية وخرج من ظلمات الأسر، لم ينم على فراش الحرير ولم يطلب وادياً غير وادي الأبرار، بل باشر العمل فوراًمع رفيقه محمد الضــ.ــيف، متحصناً في ثغر دقيق وشاق وهو صناعة المُعَدَّات، يُزْجِي عقله وجهده لينسج قُوةً تُعين الرجال الصَّادقين وتُغِيظ الصَّادّين عن السَّبِيل، وكان يلقبه إخوانه المقربون بـ "العوزي"، وهو لقب ارتبط بعمل نوعي في صناعة المعدات.
وفي قلب هذا الكدح، كانت تسكنه غُصَّة شهادة لا تبرح صدره؛ غصة رفيق عمره ودربه "ياسر طه"، الذي اغتاله الاحتلال غدراً عام 2003م، حين أطلقت المروحيات ثلاثة صواريخ على سيارته في شارع الجلاء بمدينة غزة، ليرتقي شهيـ.ـداً مع زوجته "إسلام" (28 عاماً) وهي حامِلٌ مَزْمُومة الجَنِين في شهرها السابع، وطفلته الصغيرة "أفنان" ذات الثلاثة أعوام، ومن فرط الوفاء العَامِرِ في قلبه لتلك الدماء، أسمى ابنه الثاني (ياسر) الذي ولد عام 2004م، على اسم رفيقه الراحل، ليبقى الاسم موصولاً بـالعهد والفداء.
تميز أبو عمرو بخصال رفيعة، من رآه هَابَه ومن خالَطهُ أحَبَّه؛ كان شديد الكتمان، خَبِيئَةً صالحةً لا تُحب الظهور، عازفاً عن طلب الثَّناء والمدح، قليل الكلام كأنَّ النَّاس يغزلون في مَجْلِسِه هَيْبَةَ المَحَارِيب، وكان يعشق العمل بصمتٍ مطبق، ويجد نفسه وأنسه في التعامل مع الآلات والمعدات أكثر من مخالطة البشر؛ يُعمِلُ يدَه ويسجدُ قلبُه، وكان مَثلاً للإتقان، مَضْرِبَ المثل في صدقِ الوعد مِيقاتاً، عفيف اللسان طاهر الجنان؛ لا تُجْتَرُّ غِيبةٌ في مَجْلِسِه، ولا تبدر منه لفظة سبّ أو عَوراء، يَدَعُ ما يَرِيبُه إلى ما لا يَريبُه، مُغلِقاً كُلَّ بابٍ يَلِجُ منه الهوى.
وبفضل هذا الإخلاص، تدرّج في مواقعه بيقين السَّائِرين: من دروب صناعة المعدات إلى ذُرْوَةِ العمل الميداني، ثم العمل التخصصي في الأركان، حتى تولى ركن الاستخبارات الذي شهد عصراً جديداً من التطور على يديه، لينتهي به المطاف قائداً لهيئة الأركان بعد قائده عز الدين الحداد، وكان يعدّ تقارير تقدير الموقف للقيادة ويختمها بلقبه "ياسر".. وقد رأى فيه القادة الكبار القائد المقبل، إلا أنه كان زاهداً في القيادة، فابتعد عن أي تكليف وزهد في الرئاسة في محطات كثيرة، آخرها في هذه الحرب، وحتى بعد ارتقاء القائد أبو صهيب الحداد كان يرفض تولي القيادة، مفضلًا العمل الجماعي الفني التخصصي والإنجازات السريعة، خصوصاً في الجانب الاستراتيجي والبعيد.
ومع كل هذا النفوذ الذي تُباع فيه ذِمَمٌ وتُشْتَرَى، كان نزيهاً زاهداً زهادة الصِّدِّيقين، عفيفَ اليَدِ كعُمَر، لا يطلب لنفسه حظّاً من فُتَات الدنيا، ولا يتصرف بفلسٍ واحدٍ من مال الناس، بل عاش حياة كَفَافٍ، لا مظاهر فيها ولا ترف، باطنُها أغنى من ظاهرها.
وفي كل هذه المحطات، كانت زوجته أم عمرو صِنْواً له في لباس الصَّبر وحُسنِ التَّدبير؛ ومع بَكُورة هذه النَّازلة، قصف الاحتلال منزلهم فارتقى ابنهما عمرو (الذي ولد عام 2002م) ليكون بكرَ قَرابينِ العائلة نحو السَّماء، ثم نَزَحَتْ بَعدَهُ ثلاثين مرة، تُسَاقُ من شَتَاتٍ إلى شَتَات، وتجرّعت مرارة المَسْغَبَةِ والمجاعةِ كما تجرّعها أبناء شعبها المَحْصُورِين، لكنَّها لم تترك زوجها لحظة، كشجرةِ سِدْرٍ راسخة، كانت تُعِدُّ له الطَّعام من أيسر المكوِّنات وبقايا الكَفاف، وتَغْرِسُ في نُفُوسِ من بقي من أولادها عزَّة المُرابطين، وتوصيهم بتقوى الله وزاد الرَّحيل الدَّائم للقائه.
حتى إذا هَلَّت عشر ذي الحجة، تَلَبَّسَ الزوجان مِيقاتَ الصّيام، فَصاما الأيام التسعة صِيامَ مَنْ يَرجُو مَقْعَدَ صِدقٍ عند مَلِيكٍ مُقْتَدِر.
وفي يوم عرفة المشهود، يومِ سَكْبِ العَبَرَاتِ وإِقالةِ العثرات، بعد أَن أفنى أبو عمرو نهارهُ في اِرسالِ كفالات الأيتام ومُعايدات أبناء الشُّهـ.ـداء (كأَنَّهُ يختمُ صحيفة دُنياهُ بأَجمل السُّطور)، جلس مع زوجته وعددٍ من أَبنائه يتحلَّقون حول مائدة المغرب، رفع يديه نحو السَّماء طامعاً في النَّفحات، وأَخذ يدعو بتَضَرُّعٍ يَهُزُّ أَركان الرُّوح: "اللهم ألحقنا بالصالحين.. اللهم لا تحرمنا أملنا".
وما كاد الأَذانُ يرتفع، وتناولوا شيئاً يسيراً يَبُلُّ عُروقهم الخاشعة، حتَّى طالتهم يدُ الغدر بقصفٍ للمكان، فتقدَّستِ المائدةُ واختلطَ طعامُ الصِّيامِ بأنوارِ الشَّهـ.ـادة، هناك، صعدت الأرواحُ عُرُوجاً مشهُوداً إلى بارِئِها في أَعظمِ المواقِيت؛ ليكُونَ الإِفطارُ الحقيقي بِقُربِ الأحبَّةِ بعدَ طُولِ لَفحِ الهَجِير.
ارتقى أبو عمرو، وأم عمرو، وابنهما ياسر وابنتهما جميلة، ليلتقُوا هنَاك بِـ"عمرو" وبأفواجِ السَّابقينَ الأَوَّلينَ، في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجنَّةِ نَعِيم، طابَ مقامُهُم حيثُ لا نَصَبَ ولا غَبَب، فالتقوا صفّاً معَ النَّبِيِّينَ وَالصدِّيقينَ والشُّهداءِ، وَحَسُنَ أُولئك رفِيقاً.