رغم الاغتيالات الراية لا تسقط

بعد مزاعم استهداف الحداد.. الفلسطينيون يستحضرون قادة المقاومة: “كلما ارتقى قائد وُلد ألف مقاتل”

الرسالة نت - خاص

في ذروة حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، واصل الاحتلال الإسرائيلي استخدام القصف الدموي عبر الأحزمة النارية واستهداف المباني السكنية، معلنًا عبر منصاته ووسائل إعلامه استهداف القائد في كتائب القسام عز الدين الحداد خلال غارات عنيفة على حي الرمال غرب مدينة غزة، دون أن يصدر أي تأكيد رسمي من حركة حمـاس أو كتائب القسام بشأن صحة هذه المزاعم.

وبينما سارع الإعلام الإسرائيلي إلى تسويق الرواية بوصفها “إنجازًا أمنيًا كبيرًا”، تحولت منصات التواصل الفلسطينية إلى مساحة واسعة لاستذكار قادة المقاومة الذين ارتقوا خلال مسيرة الصراع الطويلة، والتأكيد أن سياسة الاغتيالات لم تفلح يومًا في كسر إرادة المقاومة أو إنهاء مشروعها، بل كانت — وفق وصف ناشطين — وقودًا جديدًا لاستمرار المواجهة.

ويرى مراقبون أن الاحتلال دأب خلال الحروب السابقة على الترويج لروايات مشابهة، غالبًا لتبرير المجازر الواسعة واستهداف الأحياء السكنية المكتظة بالمدنيين، في إطار حرب نفسية وإعلامية تسير جنبًا إلى جنب مع العمليات العسكرية. 

واستشهد في الجريمة الجديدة سبعة مواطنين وأصيب نحو 45 آخرين معظمهم من الأطفال والنساء، فيما دمرت نحو ست شقق بالكامل.

وقد سبق أن أعلنت "إسرائيل" مرارًا استهداف شخصيات قيادية، قبل أن يتضح لاحقًا أن بعض الروايات كانت مضخمة أو غير دقيقة أو جزءًا من معركة الوعي.

وينتمي عز الدين الحداد، الملقب بـ”أبو صهيب”، إلى الجيل المؤسس لحركة حمـاس، إذ ولد عام 1970 في حي التفاح شرق غزة، وانضم إلى الحركة منذ تأسيسها عام 1987. 

وبدأ نشاطه داخل جهاز “مجد” الأمني التابع للقسام، قبل أن يتدرج عسكريًا من جندي إلى قائد فصيل ثم قائد كتيبة، وصولًا إلى قيادة لواء غزة بعد استشهاد القائد باسم عيسى عام 2021، ليصبح لاحقًا أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري المصغر للقسام.

وتتهمه "إسرائيل" بأنه أحد العقول المشرفة على عملية “طوفان الأقصى”، إلى جانب مسؤوليته عن ملفات ميدانية وأمنية معقدة داخل قطاع غزة، بينها ملف الأسرى الإسرائيليين. 

كما نجا الحداد من عدة محاولات اغتيال خلال أعوام 2009 و2012 و2021، فيما استشهد نجلاه صهيب ومؤمن خلال الحرب الحالية، بينما أطلقت عليه وسائل إعلام إسرائيلية لقب “الشبح” لقدراته العالية على التخفي والإفلات من الملاحقة.

ومع انتشار أنباء الاستهداف، برزت موجة واسعة من التفاعل الشعبي والسياسي، ركزت على فكرة “استمرارية القيادة” داخل المقاومة الفلسطينية. الصحفي محمود هنية كتب: “نحن أمام حركة لا تعرف اليُتم القيادي، ولا تُعدم الرجال. منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لم تتوقف مسيرتها برحيل قائد، فكلما ارتقى سيدٌ قام سيد، وكلما ظنّوا أن الراية سقطت حملها رجال أشد بأسًا وأمضى عزيمة”.

المعنى ذاته أكده الناشط محمود الخطيب، الذي شدد على أن الحركة “لا تعرف اليُتم القيادي”، مضيفًا أن كل قائد يرتقي “يخلفه رجال يحملون الراية بعزيمة أشد”، في إشارة إلى الطبيعة التنظيمية والمؤسساتية التي تعتمدها كتائب القسام في إدارة بنيتها العسكرية.

أما الناشط أبو حذيفة الكحلوت، فاستحضر دلالات تاريخية من السيرة النبوية، موضحًا أن تعاقب القادة “ليس محاولة للتخفيف من فاجعة الفقد، بل تأكيد أن الطريق لا يتوقف والراية لا تُدفن مع أصحابها”، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: “إن قُتل زيد فجعفر، فإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة”. وأكد أن ما يُتداول حتى اللحظة “يبقى ضمن رواية الاحتلال ما لم تؤكده كتائب القسام”.

وفي منشور لافت، قال الناشط أبو أحمد سمور: “قالوا باعوها وركبوا الجيبات واشتروا القصور… واليوم ثبت للعالم أنهم باعوا أنفسهم لله وتركوا لكم الدنيا بما عليها”، في إشارة إلى حجم التضحيات التي قدمتها قيادات المقاومة وعائلاتهم خلال الحرب.

أما الناشط أبو سمير العمودي فوصف ما يجري بأنه “غزوة العسرة في هذا العصر”، معتبرًا أن مقاتلي المقاومة “قاتلوا من فوق الأرض ومن تحتها، وصنعوا أسلحتهم بأيديهم، وواجهوا العالم رغم الخذلان”، مضيفًا أن صمودهم طوال شهور الحرب “أثبت أن إرادة القتال لم تُكسر رغم المجازر والحصار والجوع”.

الصحفي مصطفى البنا بدوره دعا إلى التثبت من الروايات الإسرائيلية، مؤكدًا أن “الاحتلال يستخدم الحرب النفسية والإعلامية بصورة مكثفة”، مضيفًا: “إن كان الله قد ختم له بالشهادة فنسأل الله أن يتقبله، وإن لم يكن فقد نجا، فنسأل الله أن يحفظه ويرد كيد المحتل في نحره”.

ويشير متابعون إلى أن التفاعل الشعبي الكبير مع اسم عز الدين الحداد أعاد إلى الواجهة حقيقة فشل سياسة الاغتيالات الإسرائيلية في إنهاء المقاومة الفلسطينية عبر العقود. 

فمنذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين والقائد عبد العزيز الرنتيسي، مرورًا بعشرات القادة العسكريين والسياسيين، واصلت الحركة إعادة إنتاج قياداتها وتطوير بنيتها القتالية، في مشهد جعل "إسرائيل" نفسها تعترف مرارًا بصعوبة “القضاء على حمـاس عسكريًا”.

ويرى مراقبون أن تصعيد الاحتلال عسكريًا وإعلاميًا في هذا التوقيت يعكس محاولة للضغط وفرض وقائع جديدة، في ظل تعثر أهداف الحرب واستمرار المواجهة المفتوحة في غزة، حيث تستخدم تل أبيب ملف “الاغتيالات النوعية” لاستعادة صورة الردع التي تآكلت خلال الأشهر الماضية.

وبينما تتواصل الغارات الإسرائيلية على القطاع، فإن رسالة الفلسطينيين واضحة وصريحة: قد يُستشهد القادة… لكن الراية لا تسقط، والمقاومة التي أنجبت هذا الجيل قادرة على أن تُنبت جيلاً أشد بأسًا وأكثر تمسكًا بالأرض والقضية.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير